القصة تعود الى ثمانينات القرن العشرين: نمشي وبيننا يندّس “عونيون”… (بقلم طارق حسّون)

على عكس ما يعتقد كثيرون، ليست ظاهرة فايز كرم داخل التيار العوني، مُنعزلة في الزمان والمكان. فقصّة العلاقة بين العونية والصهيونية تعود الى ثمانينات القرن العشرين.

في كتابه "اسرار حرب لبنان"، ينشر الصحافي الفرنسي آلان مينارغ وثيقةً سريّة مُذيّلة بإسم ميشال عون، ومؤرخّة بتاريخ 27 ايلول 1980، تتضمّن تصوّر العقيد ميشال عون حينها، لكيفية وصول قائد القوات اللبنانية بشيّر الجميّل الى الحكم. في الفقرة 66 من هذه الوثيقة، يقترح العقيد ميشال عون على بشير الجميّل ما يأتي: "التوصّل مُسبقاً الى اتفاقٍ مع اسرائيل ينّص على إعترافٍ متبادل، وعلى توقيع ميثاق دفاعٍ مُشترك". وفي الفقرة 71 من الوثيقة إيّاها تم تحديد نقاطٍ "للنهج الواجب إتّباعه في حال سقوط النظام السوري او تفكّك الدولة السورية"، ومنها، "الهيمنة على الجيش وجعله ينفجر من الداخل…".

قبل يومين تناسى عون "نهجه" السابق، فطالب بالقاء القبض على اللاجئين السوريين في لبنان، امّا حليفه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، فكان في الوقت ذاته، يطلب دعماً فرنسياً لهؤلاء اللاجئين!

في وثيقة اُخرى "مكتوبة بيد العقيد ميشال عون"، بحسب ما يورد مينارغ حرفياً، يعود تاريخها الى حزيران 1981، يُعددّ عون بعضاً من المساوئ التي قد تنجم عن قطع العلاقة بإسرائيل، ومنها:
– إمكانية قطع التموين الاسرائيلي مع كل ما يستتبعه من انعكاسات وخيمة على القوات المسلّحة.
– إمكانية الانسياق الى تنازلات اكبر.
– الدخول في عملية سياسية يمكن ان تُعيدنا الى نظام ما قبل 1975.
– تحمّل التبعات وتبرئة السوري من كل فعل إقرار بأخطاء.
بعد كتابته الوثيقة بفترة وجيزة، ظهرت صور العماد ميشال عون باللباس العسكري وهو يرحّب بضّباط "جيش الدفاع الإسرائيلي" اثناء اجتياحهم لبيروت. صورة مُعبّرة اكثر من الف كلمة!

الرئيس الأسبق الياس الهراوي، يورد في الصفحة 132 من مذكراته "عودة الجمهورية من الدويلات الى الدولة"، نقلاً عن رئيس الحكومة السابق سليم الحص، أنه "في السابع من كانون الأول 1989 عقدنا اول جلسة لمجلس الوزراء في ابلح، واستأثر موضوع تمرد العماد عون بالقسم الأكبر منها. اول المتكلمين الرئيس الحص الذي قال: "من اللافت أن إذاعة إسرائيل بثّت ان العماد عون اتصل بأنطوان لحد مراراً مستنجداً…".

ويُكمل الهراوي في الصفحة 205 من مذكّراته قائلاً: "استدعيت احد ضبّاط العماد عون، وسألته عن دوافع زيارته لإسرائيل مع إثنين من رفاقه، قبل القضاء على التمرد بفترة وجيزة. فأجاب ان العماد عون كلفهم مقابلة اوري لوبراني، وطرح عدد من الأسئلة عليه. وحين سألته هل السوريون سألوهم عن لقائهم لوبراني، أجاب انهم كانوا على علم بأدق التفاصيل".

المخابرات السورية كانت على علم بأدّق تفاصيل إجتماعات التيار العوني بالإسرائيليين، ودليلنا على ذلك، الإتهام الصريح الذي وجّهه النائب السابق ناصر قنديل للعماد عون في 27 شباط 2005، "بالإتصال بالكنيست الإسرائيلي". لكن "وثيقة التفاهم" اباحت المحظورات!

علاقة "العونيين" بالجانب الإسرائيلي لم تقف عند هذا الحدّ. في السابع من نيسان 1989، اجتمع العماد ميشال عون بـالمدعو "ن.ش"، مسؤول نمور الأحرار في الشريط الحدودي حينها، وطلب منه الإتصال بالإسرائيليين وإبلاغهم عن دخول السفن الحربية السورية الى مرفأ طرابلس، داعياً إيّاه الى تحريك جماعات "الأحرار" في المناطق المحتلة للقيام بعمليات عسكرية ضد السوريين.

القصّة لا تنتهي عند هذا الحدّ، فبتاريخ 15 تشرين الثاني 1989 وجّه ميشال عون رسالة باللغة الفرنسية الى رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق اسحق شامير، وممّا جاء فيها:
" إن سوريا تواصل مناوراتها السياسية والعسكرية لإفشال المقاومة اللبنانية، ولاسيمّا التي نمثّلها نحن شعبياً ودستورياً وعسكرياً. إن هذه المقاومة تشكّل السدّ الأخير في وجه عدوان السوريين والقوى الأصولية المتعصّبة على لبنان. فإذا بلغت هذه القوى اهدافها، فإن عنفها سيُوجّه كلّه الى اسرائيل… إن اتفاق الطائف يوجب على الجيش اللبناني مواجهة اسرائيل، وبالتالي وضع إمكاناته بتصرّف المقاومة وميليشياتها الموالية لسوريا وإيران".

ثم بتاريخ 26 تشرين الثاني 1989، ارسل العماد عون الى الموساد الإسرائيلي التلكس الآتي:
"الوضع حرج جداً. نطلب جواباً واضحاً من قبلكم. لقد اعطى الهراوي ضوءاً اخضراً لعملية سورية. الأميركيون موافقون… نريد معلومات عن الحشود السورية ونيات دمشق في ما يتعلق بعمل عسكري؟ هل هو دائم؟ وفي اي وقت؟ وما هي الجبهات التي سيشملها؟… في 25 تشرين الثاني 1989، دخلت فرقة سورية الأراضي اللبنانية لتعزيز تحضيرات الهجوم. نطلب موقفاً واضحاً وحازماً".

العونية لم تستنجد بإسرائيل فحسب، وإنما بالنظام السوري ايضاً.

في الصفحة 93، من كتابه "الرهان الممنوع" يروي موفد العماد عون الى العميدين غازي كنعان ورستم غزالي، حبيب الخوري حرب، كيف ان العماد عون ارسله في 3 ايار 1990 للإجتماع بالرئيس سليمان فرنجية بغية التوسّط لدى السوريين، من اجل تحريك وإعادة توتير جبهة الشمال ضد "القوات اللبنانية".
في الصفحة 170 يقول حرب: "على الرغم من كل ما جرى بينها وبين العماد عون في حرب التحرير، كانت سوريا واثقة من ان العماد عون قد يكون خصمها تكتيكياً، لكنه حليف لها على صعيد التوازن الاستراتيجي في المنطقة"….رحم الله شهداء 13 تشرين!
وفي الصفحة 176 من الكتاب نفسه، يعترف حبيب الخوري حرب بعلاقة "العونية" مع الإسرائيليين بقوله:" لم تنفع التطمينات التي كنّا نسمعها من بعض الدائرين في الفلك الإسرائيلي في إزالة قلقنا من الحسم العسكري".

لماذا العودة الى تلك المرحلة الآن؟ لسببٍ بسيط وواضح، وهو ان "العونية" تلك الروح الأقلّوية الوصولية الإنبطاحية، لا تزال تتطاول على الكبار، وتذّر بقرنها لتشويه تاريخ المسيحيين في لبنان، خدمةً لأسيادها الجدد. فبعدما اعتدى انصار "العونية" على مقام الصرح البطريركي في بكركي بتاريخ 4 تشرين الثاني 1989، ها هي "العونية"، من خلال موقعها الإلكتروني، تتطاول مجدداً على احد ابرز رموز الكنيسة المارونية في منتصف القرن العشرين، المطران اغناطيوس مبارك، الذي نال وسام "الجهاد الوطني"، ودُعي بـ "مطران الإستقلال" لدوره في تحقيق استقلال لبنان، فاتّهمته بالعمل لمصلحة "تحالف الأقلّيات"، فيما هي السبّاقة الى الترويج لبقاء الديكتاتوريات، تحت هذا الشعار تحديداً!

العونية عدّوة الإستقلال والإستقلاليين، لذلك تطاولت على "مطران الإستقلال" الأول، بعدما اعتدت على بطريرك الإستقلال الثاني…

"العونية" هي رمز الوصولية، والعدائية للطوائف، والمذاهب، والأحزاب الأخرى، بحسب ما تقتضيه مصلحتها. اليوم، ينعت العماد عون الطائفة السنّية بأبشع النعوت، فيضطّر مفتي الجمهورية للرّد عليه شخصياً. بالأمس، كان العماد عون نفسه، يدّك المدنيين الشيعة في الضاحية الجنوبية بالقذائف العشوائية، فيضطّر الشيخ نعيم قاسم للإعتراف، في الصفحة 147 من كتابه "حزب الله، المنهج، التجربة، المستقبل"، بأن "حزب الله اعدم ميدانياً 11 متعاملاً مع مخابرات الجيش اللبناني في الضاحية الجنوبية". امّا الموحدّين الدروز، فلا داعي لزجّهم في هذه المهاترات، طالما ان العماد عون نفسه كان قد اعتبرهم بتاريخ 22 تشرين الأول 2005 "طائفةً صغيرة" لا يحق لها وضع فيتوات على طوائف كبرى!

وفي هذا الإطار، لا زلت اذكر عندما نظّم "حزب الله" تظاهرة "شكراً سوريا" في 8 آذار 2005، كيف ان احد ابناء بلدتي، وهو مسؤولٌ عوني بارز، ابدى امتعاضه من رؤية آلاف يتجمهرون في ساحة رياض الصلح، فتنمّى لو ان "قذائف العماد عون ابادت الضاحية الجنوبية عن بكرة ابيها". وما قاله هذا النشاط العوني بالأمس، يقوله امثاله اليوم عن أطفال ونساء سوريا الذين يُذبحون على يد نظامهم.

انها العونية اللعينة… لعينة اولاً، لأنها تُسخّر دماء الأبرياء، لأي فئةٍ انتموا، من اجل تسلّق سلّم السلطة… ولعينة ثانياً، لأنها تؤجج روح الحقد والكراهية بين ابناء المجتمع الواحد، والطائفة الواحدة والعائلة الواحدة… ولعينة ثالثاً، لأنها تُعاكس رياح ربيع الحرية والديمقراطية وتسعى لوضع المسيحيين على طريق الفيلة خدمةً لديكتاتورياتٍ بائدة، ولأنها تجمع في صفوفها كل الحاقدين من الاحزاب التي قاومت المقاومة اللبنانية… ولعينة رابعاً، لأنها رمز الفساد، والسمسرات والخيانة، والعمالة، والوصولية، والعائلية، لكنّها تزعم انها "إصلاح وتغيير"!! … أهلاً

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل