كتب ألان سركيس في "الجمهورية":
عادت الضحكة أمس إلى جامعة القديس يوسف بعد أن استرجعها طلاب "القوات اللبنانية" وقوى 14 آذار من سيطرة "حزب الله" وطلابه الذين باتوا يسرحون ويمرحون في حرمها.
لليسوعية رمزية خاصة عند المسيحيين. فهي أكبر جامعة مسيحية في لبنان، وجامعة الرئيس بشير الجميّل. وكانت في مرحلة الاحتلال السوري الصرح الأول المواجه لهم، وتنطلق من داخلها التظاهرات المطالبة بالحرية والسيادة والاستقلال، كما أن أحداً لا ينسى خطابات رئيس الجامعة الأب سليم عبو تحت عنوان "غضب جامعة" والذي كان ينتقد فيها بشدّة وعنف محاولات "سورنة" لبنان، ذاهباً بعيداً في خطاباته التي تحمل بعداً وطنياً عنفوانياً رفضا للظلم والقهر الذي كان يمارس على الشعب اللبناني.
وفي وقت التزم طلاب "القوات" وحلفاؤهم اللباس الأحمر التي كتب عليها "tous ensembles" في انتخابات الأمس، ظهر "حزب الله" كأنّ الجامعة قلعته، شباب يلبسون اللباس الأسود ويملأون الكليات. وفي وقت غابت الشعارات الدينية عند الأحزاب المسيحية، ارتدى "حزب الله" لباس عاشوراء واضعاً الكوفيات وملتزماً اللباس الديني.
لم تنجح كل مطالبات بكركي وتمنياتها على إدارة الجامعة، حسب أحد مسؤولي المنظمات الطلابية، في توقيف إدخال هذه الأعداد الهائلة من طلاب "حزب الله" إلى الجامعة، لأهداف انتخابية فقط، لأن التجارب الماضية تدل على أن بعد كل انتخابات، معظم الطلاب المسجلين من الحزب لا يُداومون، بل هم فقط يدفعون القسط الأول للمشاركة في الانتخابات.
في الأمس لم يتمكّن "التيار الوطني الحرّ" من إخفاء أصحاب صورة القمصان السود الذين كانوا في الواجهة، يمرّون بالقرب من تمثال القديس يوسف، من أسفلهم إلى أعلاهم مغمّسين باللون الأسود، ينتعلون الأحذية العسكرية ويرخون ذقونهم، الكل متشابهون، في دلالة على غياب الحياة الفردية والتزام الجماعة، وهذا نمط غريب عن البيئة المسيحية وثقافة الجامعة التي تعمل على تفعيل قيمة الإنسان كفرد.
وعلى رغم الصورة المعتمة للقمصان السود، تميزت المعركة بالحدة، ما إنعكس إقبالاً كثيفاً وتوتّراً عند الماكينات الانتخابية، فوقف الطلاب بالطوابير ينتظر كل واحد دوره، الصناديق الانتخابية امتلأت بوقت سريع بالأوراق، وقد اعتمد نظام التصويت الإلكتروني الذي يعطي سرعة في عملية الفرز. ماكينة 8 آذار كان عمادها الرئيسي "حزب الله"، يتجمع مناصروها بالقرب منها مطلقبن الهتافات المؤيدة لمرشحيهم محاولين استفزاز الطرف المنافس. وعلى ضفة 14 آذار دمجت ماكينات "القوات" و"الكتائب" و"المستقبل" و"الأحرار" بعضها ببعض، وهنا لا ضجيج ولا هيصات ولا أصوات مرتفعة، بل
عمل وحركة. ويبقى أن الفوز الذي حققته قوى 14 آذار دليل واضح وثابت على المزاج الشعبي المسيحي المنتفض على الأمر الواقع المتمثل بالسلاح والقمصان السود. هذا الفوز الذي أعاد لليسوعية بريقها النضالي، وخصوصاً أنها كانت أحد أهم الصروح الجامعية التي أسست أو صنعت مع الأب عبو لحظة انتفاضة الاستقلال.