لبنان يحتفل بذكرى الاستقلال.. والعلم يرتفع في عيده
69 عاماً.. وحكاية الاستقلال لم تصل إلى خواتيمها بعد
تسعة وستون عاماً مضت على الاستقلال الأول للبنان، طالب بعدها اللبنانيون مرات عدة بالاستقلال فيما احتفلوا في غالبية السنوات بذكراه.. يوم 22 تشرين الثاني انتزع رجالات تاريخ لبنان، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية السابق الشيخ بشارة الخوري، الاستقلال من الفرنسيين بعد إطلاقه مع رئيس الحكومة رياض الصلح من سجن "الأم الحنون" فرنسا.
إنها ليست الذاكرة العتيقة للاستقلال.. فقد علقت محطات النضال في ذاكرة عدد كبير من سياسيي لبنان المعاصرين، واتّخذت أكثرية الشعب اللبناني عهداً على نفسها بأن تكون وفية لاستقلال شوّهت ذكراه بعض الأحزاب لتضع لبنان رهينة السياسة الخارجية التي اغتالت الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط 2005 فتفجّر مرة ثانية استقلال لبنان من جرح أبنائه ودموع أمهاته في 25 نيسان من العام نفسه.
كل الجنود التي وطأت أقدامهم أرض لبنان، استرسلوا في وحشيتهم وحقدهم، من الجنود الإسرائيليين الى جنود النظام السوري الذين هتكوا السيادة وأمعنوا في معاقبة طلاب لبنان لمطالبتهم المتكررة باستقلال وطنهم وعاثوا فساداً في الإدارات العامة وتزويراً في الانتخابات النيابية. وترافق ذلك مع نظام أمني مخابراتي مُحكم قبض على بعض القيادات اللبنانية وأودعها سجونًا تحت "سابع أرض"، فيما اختار البعض الآخر إما الهرب أو النفي. فهل خانت الظروف اللبنانيين أم أثقلتهم أمانة استقلال العام 1943؟
في هذا السياق، فإن ما رفضه حكام لبنان خلال الاستقلال الأول ترفضه اليوم قوى 14 آذار وسبق هذه الحقبة تاريخ من المواجهات والحروب خاضتها أحزاب لبنانية ضدّ العدوّ نفسه.. وقد ردّد رئيس الجمهورية السابق الشيخ بشير الجميل عبارة أثبتت صحتها اليوم وهي "إعرف عدوّك.. السوري عدوّك" (أي نظام حافظ الأسد في حينها). وبلغت المواجهات أشدّها حتى اغتيل الجميل في بيت "الكتائب" في الأشرفية بعد انتخابه بأيام معدودة كذلك استشهد الرئيس رينيه معوّض في عيد الاستقلال من العام 1989 بعد 17 يوماً على اغتياله وهو المعروف برفضه الوصاية السورية على لبنان.
لم يبخل لبنان بدماء أبنائه فقدّم الكثير من الشباب نواباً ووزراء ورجال أمن ورجال دين ومواطنين بعد استشهاد الرئيس الحريري وكان آخرهم اللواء الشهيد وسام الحسن. قاسم واحد يجمع كل الشهداء وكل المحطات التي طالب فيها اللبنانيون بالاستقلال هو أن يحكم لبنان نفسه بنفسه دونما تواجد مسلّح غير شرعي على أرضه على ألا يرتهن أيضاً للخارج.
صحيح أن لكل جيل استقلاله، بحسب الظروف والأحداث، إلا أن حكاية استقلال لبنان حتى الآن لم تصل الى خواتيمها السياسية بعد، خصوصاً وأن الانقلابات السياسية والتهديد بالسلاح الخارجي حيناً والداخلي حيناً آخر ومحاولة بثّ الفتن الطائفية بين أبناء الوطن الواحد، كلًها تشكًل عراقيل في وجه المؤمنين بنضوج فكرة لبنان الدولة والمطالبين بكفّ يد السلاح عنه ومصادرة قراره.
من الرئيس بشارة الخوري، صانع الاستقلال الأول، الى الرئيس الشهيد رفيق الحريري صانع الاستقلال الثاني مروراً بكل الشهداء من سياسيين ولبنانيين كل منهم صنع الاستقلال على طريقته واعتقد أن برحيله أو استشهاده ستكون نهاية لبنان الوطن.. لكن اللبنانيين لم يتركوا شهداءهم حين كانوا بحاجة إليهم في كل المراحل، نزلوا إلى الطرقات وطالبوا بالحقيقة التي لا يمكن أن تتحقّق من دون الاستقلال. الاستقلال والحقيقة توأمان لا ينفصلان، وقد جسّد بشارة الخوري ذلك في استقالته بعد نهاية ولايته، حين رفض اللبنانيون التجديد له في العام 1952، حيث أصرّ على الحفاظ على وحدة اللبنانيين وتماسكهم والأهم كان بالنسبة إليه تخليد معاني الاستقلال الحقيقية.
الطريق الى الاستقلال طالما كان محفوفاً بالاغتيالات والانقلابات. على مرّ العصور، تميّز اللبنانيون بنزعتهم الاستقلالية وتوقهم الدائم للتحرر وهم في أمسّ الحاجة اليوم الى استقلالهم لينام شهداؤهم قريري العين، وليكون لأبناء الوطن الصغير وجيله الجديد كتاب تاريخ وطني "نظيف" غير مشوّه.
في كل محطات التاريخ، تبلورت نزعة اللبنانيين إلى الحرية والسيادة والتفرّد بالقرار في مواجهة أطراف جاهروا بوفائهم لدول أجنبية ووحدة مسارهم ومصيرهم مع دول مجاورة منفّذين أجندات خارجية على أرض لبنان. في العام 1943 قاد رجلان مسيرة الاستقلال الأول.. فهل سيرحم التاريخ المنقلبون على أكثرية تمثّلت بالرجلين وتمسّكت بمبادئ الاستقلال الأول لتعيد للثاني نبضه وشرعيّته؟
يأسف نجل أوّل رئيس للاستقلال الشيخ ميشال الخوري لكون "الحرية في لبنان بات ثمنها مرتفعاً جداً، وكأن مسيرة الاستقلال لن تنتهي". ويشرح: "كي يحافظ لبنان على استقلاله يجب أن يقبل التضحيات وأن يبذل الجهود المستمرة".
ويلفت الى أن "بعض اللبنانيين أضاعوا ثقتهم بوطنهم، وانتسبوا الى تيارات ومعسكرات خارجية". ويشدد على أن "لبنان يتميّز برجالاته"، ملقياً "اللوم على الحكام أكثر منه على الشعب". ويختم الخوري: "إرادة الشعب ووحدته كفيلتان بالتغيير في لبنان، علماً أن هدوء المنطقة المحيطة به سيجعل منه نموذجاً لكل الدول المجاورة".