سبعة أشهر كانت كافية لفريق رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لإستمالة فرنسا إلى صفه، فتوافِق بصراحة على "سياسة النأي بالنفس"، وذلك على خلفية التحولات الجارية في سوريا والمنطقة وانعكاسها على استقرار لبنان. فما هي المحطات التي كانت مؤثرة في هذا التحول؟
يمكن القول في ختام زيارته الرسمية الثانية لباريس أن ميقاتي الذي يرفع شعار الوسطية يتكئ على أربع قوائم وليس على ثلاث مثلما وصفه قبل نحو العام ونصف العام أحد المسؤولين الأميركيين المعنيين بالملف اللبناني. فله قائمتان واحدة في المملكة العربية السعودية وأخرى في الولايات المتحدة وثالثة في سوريا، ويبدو أنه أضاف إليها رابعة في فرنسا وما تمثله في الاتحاد الأوروبي من قوة دفع. فعلى رغم الحنان الذي تبديه باريس للأسباب المعروفة حيال رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، لما يمثله لدى شريحة لا بأس بها من اللبنانيين، ولمكانته الخاصة في الرياض، إلّا أن ميقاتي الذي له باع طويلة في العلاقات مع المسؤولين الحاليين والسابقين في عدد من المواقع النافذة ومنها باريس، نجح في كسر الطوق الذي حاول خصومه في بيروت إطباقه عليه بوسائل مختلفة منذ تسميته رئيساً للوزراء.
وشتّان ما بين أجواء زيارتيه للعاصمة الفرنسية وقد فصلت بينهما سبعة أشهر تقريباً. فإذا كانت الأولى قد تمت في ظل مراهنة السلطات الفرنسية حينها على السقوط الوشيك للنظام السوري الحالي فرأت أن لا مناص من استخدام بيروت ممراً للناشطين السوريين وغيرهم، فرفضت "سياسة النأي بالنفس" التي رفعتها حكومة ميقاتي في حينه، فإن الزيارة الثانية تأتي على خلفية عدم وضوح الرؤية لجهة المواعيد والتحالفات وموازين القوى وصعود نفوذ الجماعات الاسلامية المتطرفة وتهديدها، واغتيال اللواء وسام الحسن الذي كان يشكل صلة وصل عملانية ومخابراتية مع أطراف المعارضة السورية في لبنان وسوريا، بالإضافة إلى انفتاح كل قنوات ملفات الشرق الأوسط بعضها على بعض، سواء في سوريا أو الأراضي الفلسطينية أو إيران. الأمر الذي ينذر بأوخم العواقب على الاستقرار بما فيه مصير قوات "اليونيفيل" وأمنها. وعليه كانت مدة الأشهر السبعة كافية لكي تجري باريس مراجعة لموقفها من "سياسة النأي بالنفس" التي تنتهجها حكومة ميقاتي، ولعل خبرة مدير مكتب وزير الخارجية السفير دوني بييتون في مركز القرار، والخبرة الميدانية لسفير فرنسا في بيروت باتريس باولي عجّلتا في هذه الانعطافة.
وكان من اليسير التقاط هذه الإشارات في العرض الذي قدمه ميقاتي ليل أول من أمس في الأكاديمية الديبلوماسية التابعة للآغا خان والتي يديرها الديبلوماسي الفرنسي المعروف جان كلود كوسران، حيث شرح بارتياح المكانة الجديدة التي يحتلها لدى العواصم الغربية ولا سيما منها باريس على خلفية "سياسة النأي بالنفس" وهو الشعار الذي يرتبط باسمه. إذ اعتبر أنه "حين اتخذ لبنان قرار النأي بالنفس كان القرار أصعب. لكن نلاحظ يوماً بعد يوم أنه قرار صائب. وأصبح جميع اللبنانيين مقتنعين بأنه لمصلحة لبنان، كذلك أصبح المجتمع الدولي متقبلاً هذا القرار أكثر من الماضي". وأضاف: "لقد شعرت في أثناء لقائي مع وزير خارجية فرنسا لوران فابيوس، بأنه لم يطلب أيّ شيء من لبنان، بل كان على العكس مشجعاً ومؤيداً لهذه السياسة وطالباً الاستمرار فيها. في البداية لم يكن الأمر سهلاً لمن يعلم ما هي العلاقة التي تربط لبنان بسوريا".
وهنا لابد من الإشارة إلى جملة عوامل إضافية أدت إلى نجاح ميقاتي في مسعاه:
ـ أولا، طبيعة سلوك رئيس الحكومة وردة فعله على الأحداث وحنكته في تجاوز المطبات الكثيرة. إذ دأب على محاولة التقرّب مع من يختلف معه في الرأي، وحتى أنه يتحاشى قطع شعرة معاوية مع أحد.
ـ ثانياً، نجاحه في إنشاء خلية عمل تضم مستشارين وخبراء متعددي الاختصاصات ولهم علاقات متينة مع شخصيات بارزة في مراكز صنع القرار.
ـ ثالثاً، تشكيله مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان نوعاً من الثنائي الوسطي داخل الحكومة وخارجها، في عدد من المفاصل الرئيسية. وهو ما برحت باريس تؤيده منذ انتخاب سليمان على خلفية اتفاق الدوحة.
ـ رابعاً، "تطوير" العبارة الشهيرة من البيان الوزاري لرئيس الحكومة اللبنانية الاستقلالية الاولى رياض الصلح القائلة "إن لبنان لن يكون للاستعمار مقراً أو ممراً بل وطناً عزيزاً مستقلاً سيداً حراً عربيّ الوجه يستسيغ الخير النافع من حضارة الغرب"، إلى اعتماد شعار "النأي بالنفس" التي يعتبرها ناجحة، داعياً إلى "تشريع جديد لإدخال النأي بالنفس في الدستور وذلك في مواجهة كل أزمات المنطقة لأن لبنان لا يستطيع أن يدخل أيّ محور من المحاور".
وإذا كان رئيس الوزراء يحسد قبرص على موقعها كجزيرة، مقارنة بلبنان الذي يواجه تحديات ومخاطر مركبة، حسب قوله خلال لقائه أخيراً مع وزير الدفاع القبرصي، فإن موقعها في البحر لم يحفظ وحدتها بعد احتلال الجيش التركي لشمالها. أما لبنان وموقعه الجغرافي فدرعه هو حكمة مسؤوليه وزعمائه الدينيين والسياسيين إذا استطاعوا الى ذلك سبيلا.