كتبت صحيفة "الراي" الكويتية:
بينما يواصل مجلس الشورى الايراني التصارع في ما بينهم حول ما إذا كان ينبغي محاسبة الرئيس محمود أحمدي نجاد على معالجته المريعة للاقتصاد، وفي وقت بدأ ظهور التأثيرات السلبية الناجمة عن العقوبات المفروضة على ايران من جانب القوى العالمية الكبرى بسبب رفض طهران الانخراط ايجابياً بشأن برنامجها النووي، فإن مشاعر الأمل لدى المواطنين الايرانيين ازاء امكانية تحسن الأمور تواصل الانزواء على نحو سريع.
ووفقا لمقطع فيديو تم بثه عبر شبكة الانترنت بتاريخ 28 أكتوبر، أقدم رجل ايراني شاب في جنوب العاصمة طهران على إضرام النار في جسده هرباً من محنته، وذلك تحت وطأة عدم قدرته على العثور على وظيفة كي ينفق منها على نفسه وعلى والدته وأشقائه.
وكان تقرير أصدره المركز الايراني للاحصاءات في أكتوبر 2012 قد زعم أن متوسط الدخل الشهري للأسرة الحضرية بلغ 10.9 مليون ريال ايراني، وأن متوسط انفاق الأسرة الحضرية شهريا هو 11 مليون ريال. وهكذا فانه حتى ذلك المركز التابع للحكومة الايرانية لم يستطع «تجميل» الأرقام الاحصائية بعض الشيء بحيث يجعلها توحي بأن مستوى الدخل أعلى من مستوى الانفاق.
والواقع أن هذه الفجوة بين الدخل والانفاق تزداد وطأتها وشدتها بالنسبة إلى الأسر الايرانية الأكثر فقراً.
ووفقاً لتحليلات وتقديرات خبير محلي، فإنه حتى الحد الشهري الأدنى لنفقات المعيشة بما في ذلك نفقات الايجار والطعام والمرافق والضروريات الأخرى باستثناء الكماليات يزيد بكثير عن متوسط الدخل الشهري للأسر التي ليس لها سوى عائل واحد ذي دخل ثابت.
أما بالنسبة إلى الأسر التي ليس لها عائل ذو وظيفة ثابتة (وهي الاسر التي تشكل رسمياً ما نسبته 12 في المئة من اجمالي قوة العمل الايرانية، لكن من المرجح أنها تشكل فعليا أكبر من تلك النسبة) فان الوضع سيكون أكثر صعوبة.
وكان نحو 10 آلاف من العمال غير المهرة في شتى ارجاء ايران قد وقّعوا التماساً موجهاً إلى وزير العمل وتم نشر ذلك الالتماس بتاريخ 2 أكتوبر الفائت. ووصف ذلك الالتماس الفجوة القائمة بين مستويات الدخل وبين تكاليف المعيشة بأنها قد وصلت إلى «مستويات كارثية».
وما زالت الضغوط التضخمية مستمرة في دفع أسعار السلع صعوداً بوتيرة تجعل الأوضاع تزداد صعوبة على الشعب الايراني. ويبدو الأمر مذهلاً إذا عقدنا مقارنة بين أرقام البنك المركزي الايراني المتعلقة بأسعار السلع الغذائية خلال شهري مارس وأبريل 2012 وبين الأسعار الحالية التي وصلت إليها تلك السلع في طهران. فعلى سبيل المثال كان سعر كيلو غرام الأرز 4445 ريالاً آنذاك بينما وصل الآن الى 35 ألف ريال، وكان سعر كيلو اللحم 22051 وأصبح الآن 250 ألف ريال، وكان سعر كيلو الدجاج 5761 ريالا وأصبح حاليا 50 الف ريال، وكان سعر كيلو الزبادي 1687 ريالا مقارنة بسعره الحالي الذي وصل إلى 35 ألف ريال.
وللتخفيف من حدة تأثيرات هذه الزيادات في الأسعار في وقت تشهد مستويات الدخل ركوداً – ولاسيما في ظل اقتراب فصل الشتاء – فإن الحكومة الايرانية قد تلجأ إلى اجراءات قاسية. والواقع أن السياسات التي تم تجريبها حتى الآن – مثل تقديم تعويضات نقدية – تسهم في مفاقمة حدة التضخم ولاسيما كنتيجة للتوزيعات النقدية، كما أنه من المرجح لتلك السياسات ان تواجه صعوبات بسبب تزايد تكاليف الواردات وعدم كفاية الامدادات الحكومية. ولن يسهم أي من تلك السياسات في حل المشاكل التي يعانيها الاقتصاد الايراني كما أنها لن تذهب إلى حد تحسين ظروف الايرانيين المعيشية.
وكان تقرير حكومي ايراني تم تسريبه في الصيف الفائت قد ذكر أن المسؤولين يعكفون على وضع خطط لتطبيق سياسة التقنين. كما أعلنت وزارة النفط أخيراً عن خطط لتقنين توزيع حصص وقود الديزل بهدف السيطرة على الاستهلاك غير الضروري والتهريب إلى دول أخرى. ولكن لم يتم الاعلان حتى الآن عن أي خطط لتقنين استهلاك السلع الغذائية الضرورية. وفي حال وجود خطط من هذا النوع لكن لم يتم البدء في تطبيقها بعد على الرغم من المعاناة التي يعيشها الايرانيون، فإن المراقبين لن يستنتجوا إزاء ذلك سوى أن قادة إيران قد قرروا أن شعبهم لم يعان بما فية الكفاية بعد.