بالامـس أتحفتنا الدولة اللبنانية بكل رموزها السياسـية والعـسكرية والامنية والدبلوماسـية باحتفال "مميز" بمناسبة احياء عيد الاستقلال الـ69 بعنوان "جايبلي سلام" الذي تخلله وثائقي اعدّ بعناية عن الجيش اللبناني وأغاني وطنية عريقة تلامس الوجدان والمشاعر وعروض عسـكرية جويـة وبرية متقنة ومشـاركة لافتة من المجتمع المدني كالجامعات في لبنـان وغيـرها، اضافة الى اطلاق بالونـات ملونة ومزخـرفة وأعلام لبنانية عملاقة تزين الساحات، وبيارق الالوية، وسيوف تلمع في مقدمة الوحدات، وقبعات تعانق الســماء، وربطات عنق لم تر النور بعد، وسـيارات عسـكرية مكشـوفة تقل المســؤولين لتفقد الوحدات العسكرية، وآليات تجر خلفها المدافع وفوهات الراجمات والمدرعات وسيارات الاسعاف وفرق الخيالة وغيرها.
كل ذلك سبقه حملة اعلانية وترويجية تزامنت مع قطع لطرقات العاصمة بهدف الاعداد ليوم الاستقلال، ما أدى الى حبـس المواطنين في ســياراتهم لســاعات طوال وارهاق أعصابهم والقضـاء على نهارهم، وما استوجب تأسف راق من المراجع المعنية.
هذا المشهد الظاهري بشقه المتألق يخفي في طياته واقعاً مريراً يتمثل بانقسام سياسي حاد ومقاطعة لحكومة تغتصب السلطة وتمعن في زيادة الشرخ والشرذمة، اضافة الى وضع امني متفجر يتراوح بين محاولات الاغتيال الفاشلة بـ "عناية الهية" والاغتيالات الحاصلة بتدبير "احزاب الهية"، وجولات مواجهة متنقلة من جبل محسن وباب التبانة وصولاً الى تعمير عين الحلوة… ناهيك عن التضخم الاقتصادي المخيف، وتراجع النمو، وهروب الاستثمارات، وهجرة رؤوس الاموال، وصفقات الادوية المزورة، ومتفجرات يلقى القبض على ناقلها انما من دون ان يلقي القضاء قراره الظني على مسامع اللبنانيين، وبضائع غير خاضعة للرسوم عبر جمارك مرفأ بيروت بفضل هيبة السلاح، وازدهار موسم الخطف لقاء فدية، وتشكيل أجنحة عسكرية لعائلات لبنانية… ناهيك عن نعمة انقطاع الكهرباء الدائم، وتردي قطاع الاتصالات، وخدمة الانترنت، وشح المياه، وزحمة السير الخانقة وغيرها من الملفات التي لا تعد ولا تحصى.
اذا، مشهدان متناقضان يتنازعان الوطن: الاول مخملي وكأننا نحيا في سويسرا الاتحادية وهو مشهد مصطنع وغير واقعي صلاحيته تمتد ليوم واحد فقط، والثاني هو الواقع الحقيقي الملموس غير الخاضع لعمليات التقويم والتجميل. والحقيقة المرة الواجب كتابتها هو ان الاوطان لا تبنى بالخداع والغش، ولا بمظاهر البهرجة والاحتفالات التي تقوم اما على دماء شهداء سقطوا او على دماء شهداء برسم السقوط.
فاخجلوا يا اركان هذه "الدولة المغتصبة" واستحوا وانزلوا من عليائكم ومن قصوركم العاجية لتشاركوا المواطنين مرارة الحياة، الحياة التي فقدت رونقها وجمالها، فبات الافق شبه مسدود والجمر فوق الرماد لا تحته والفتنة على اهبة الاستعداد للانقضاض.
فافرحوا ايها اللبنانيون وهللوا… انه يوم الاستقلال…
يوم استقلال طائرة ايوب عن الاجواء اللبنانية…
يوم استقلال الدويلة عن الدولة…
يوم استقلال السلاح عن الشرعية…
يوم استقلال 7 ايار عن بيروت…
يوم استقلال المطلوبين عن العدالة…
يوم استقلال المسؤولين عن المسؤولية…
يوم استقلال الامن عن الامان…
يوم استقلال القضاء عن القضايا…
يوم استقلال الحوار عن المتحاورين…
يوم استقلال رئيس مجلس النواب عن النواب…
يوم استقلال كتاب التاريخ عن الحقيقة…
يوم استقلال الدولة عن الشعب…
يوم استقلال الجمهورية عن الوطن…
نعم انه "يوم الاستقلال" الذي يشبه الى حد بعيد الشجرة الكبيرة التي تخفي خلفها الغابة… وما ادراكم ما الغابة وما تقره من شريعة غاب وما تحتويه من "وحوش شرسة" وصولا الى"حمامة" لا تقوى الا على حمل غصن الزيتون رمزاً للسلام الذي بات بعيد المنال.
وكل "استقلال" والوطن الى مزيد من "الاستقلال"… والسلام.