إسرائيل قادرة على تدمير غزة ولبنان وكل من يقف بمواجهتها لأنها تملك ثالث أو رابع أقوى جيش في العالم، ودعم الولايات المتحدة والغرب عموماً سياسياً وأمنياً واقتصادياً. لكن ما فائدة كل ذلك وهي لا تستطيع أن تربح الأمن والاستقرار؟ والأهم أن الانتصار نهائياً في الحرب يعني كسر الإرادة السياسية للعرب خصوصاً الفلسطينيين منهم. التطور الأهم الذي تؤكده حرب "عمود السحاب"، أن إسرائيل لم تعد قادرة على شن حرب حتى ولو كانت محدودة وأن تنهيها حسب توقيتها وشروطها، تصميم الناس والمقاتلين على الصمود والقتال وتنوع السلاح خصوصاً الصاروخي منه غيّر المعادلات. وفي حالة غزة والغزاويين، فإن حصرهم بين الموت ببطء بسبب سياسة عقابية جماعية تنفذها إسرائيل وسط صمت دولي وتحديداً أميركي – غربي، فالموت تحت القصف يحد من خسارتهم. ما يعزز ذلك أن الغزاويين يقفون وظهورهم الى إسرائيل ووجوههم الى البحر الذي من الممنوع عليهم السباحة فيه فكيف بالإبحار فيه.
يبدو أن العديد من الإسرائيليين أخذوا يعون تغير المعادلات وبالتالي ضرورة الاعتراف بالوقائع وعدم الاستمرار في التحنط السياسي. من البوادر الأولى لهذا أن بعض هؤلاء يطرحون علناً وفي أبحاث جدية أسئلة لم يكن يجرؤ أحد حتى التفكير بها بينه وبين نفسه. ومنها لماذا يكرهنا الفلسطينيون؟ لماذا يحقد أهالي غزة علينا؟. الجواب بسيط لكنه بالنسبة للإسرائيلي العادي خطير جداً مثل: علينا ألا ننسى أن خمساً وثمانين في المئة من سكان غزة مهجرون من بلدات كانت لهم، أشدود كانت لأشدود ولأخيه كانت قطينة وعسقلان هي المجدل. الاعتراف بهذه الواقعة جوابها "لا خيار أمامهم، أي الإسرائيليين، إذا ارادوا مواصلة العيش في الشرق الأوسط وليس الموت فيه، إلا أن يتصالحوا مع الفلسطينيين". مثل هذا الاعتراف بأصل الصراع يفتح الباب نحو الحل بعد مفاوضات جدية وحقيقية.
حرب "عمود السحاب" كان يمكن أن تذهب أبعد مما ذهبت اليه، لأن القوى الإسرائيلية الحاكمة ليست مؤهلة للاعتراف بالوقائع التي بدأ البعض من الإسرائيليين القبول بها والأخذ بها لو كان رئيس الولايات المتحدة الأميركية غير باراك أوباما. الخبث السياسي يكاد يتحول الى نهج سياسي. أوباما لا يحب نتنياهو لكن لا يقول ذلك. يكرر دائماً لازمة الموقف الأميركي الثابت، إن أمن إسرائيل من أمن أميركا وإن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها لكن هذه المرة عليها الانتباه، يجب ألا تذهب بعيداً وتقوم بهجوم بري لأنها ستخسر التأييد العالمي لها. الترجمة السياسية المباشرة لهذا التحذير الديبلوماسي: فاوضوا على هدنة فعلية. طبعاً لم يتخذ أوباما هذا الموقف فقط لأنه لا يحب نتنياهو، وإنما أيضاً لأنه يأخذ في حساباته تحولات الربيع العربي وانعكاساته على الميادين العربية وعلى الحكومات الجديدة خصوصاً مصر. يعرف أوباما أن مصر لن تتحمل ضغوطاً شعبية وسياسية من نتاج عملية برية إسرائيلية ضد غزة، والتالي لن يخاطر بتعريض مصر لخطر انفجار غير محدد النتائج في زمن الربيع العربي.
ردود فعل النظام الأسدي ومعه الأسديون وإيران على كل هذه التطورات والمواقف يؤكد حراجتها وانتهاء زيتها في الوقت نفسه: يصرخون تلتهون بسوريا، وتتركون غزة واعرباه واإسلاماه، وكأن دماء الشعب السوري لا تعادل دماء الفلسطينيين. وبعيداً عن جرح الأرقام، لأن كل شهيد في سوريا وغزة هو جرح عربي لا يشفى إلا بانتهاء الحكم الأسدي للشعب السوري والاحتلال الإسرائيلي للشعب الفلسطيني، فإن ما سقط حتى الآن من الغزاويين على يد الإسرائيليين لا يعادل ضحايا يوم واحد من السوريين على يد الأسد وشبيحته. يجب الاهتمام بغزة ويجب نصرتها لكن يجب أيضاً ألا تغيب سوريا عن القلب والأنظار. من المهم جداً أن لا يكون القلق من بديل الأسد مانعاً من الانتصار للثورة والوقوف معها. العمل من القاعدة الى القمة لتوحيد المعارضات السورية يمهد للتغيير، وتوحيد القوى المسلحة السورية يسحب الحجة بعدم تسليحها خوفاً من القاعدة والجهاديين ويوجه رسالة واضحة لروسيا أنه حان الوقت للخروج من موقفها "الشيشاني" في دعمها للأسد. أما الأسد فإنه سيفهم الرسالة فوراً وهي أن لا أحد يريده بمن فيهم إسرائيل التي ضمن لها مع والده الأمن والاستقرار في الجولان منذ حرب رمضان.
أما إيران التي اقتربت من أوباما رغم تعلقها بالجمهوريين لأنه أنقذها من الحرب، فإنها تعرف أن عليها دفع الثمن وليس فقط التملص من الاستحقاقات بالمناورات. اليوم تنفي علاقتها بصواريخ فجر التي انطلقت من غزة وكأنها تريد القول في المستقبل لن أسلم مثلها متى وقع الاتفاق. أيضاً تكتفي القيادات الإيرانية بدعوة المسلمين للتحرك ضد إسرائيل أما هي فإنها من خلفهم تقف صامدة، وتلاحمت مع الأسد حتى آخر سوري.
الحرب الإسرائيلية الوحشية ضد غزة انتهت كما يجب، برفع الحصار عنها ووقف الاغتيالات، وفهمت إسرائيل أنه ليس بالحرب وحدها يمكنها العيش في قلب البركان. أيضاً على الممانعين والمقاومين أن يفهموا ويقبلوا باأنه ليس بنيرون بلاد الشام تنتصر المقاومة.