حرّكت قوى 14 آذار بوصلة توجهاتها في الاتجاه الصحيح والصحي موجّهة رسالة واضحة الى حكومة السلاح، رسالة لا تحتمل التأويل لكل من يتّهمها بأنها تعطّل الدولة ومؤسساتها.. فمشاركة قوى 14 آذار في العرض العسكري الذي دعا إليه رئيس الجمهورية وانضمامها الى الاستقبالات في القصر الجمهوري والتصرّف بمسوؤلية تجاه هذه المناسبة الوطنية، وإن منقوصة بالنسبة إليهم، دحضت كل افتراءات قوى 8 آذار وأثبتت أن المشكلة بين الطرفين ليست شخصية إنما سياسية أو بالأحرى وطنية.
فالاستقلال الذي يجتمع الكل تحت عنوانه ويختلف في الوقت عينه حول مبادئه وأسسه، التقط صورة شاملة للقيادات اللبنانية، إن بغياب بعضها وحضور ممثلي أو نواب الكتل، التي لا بدّ استغلّت المناسبة لتعبّر عن رأيها من خلال طريقة السلام أو فحوى الكلام ولكل تصرّف مدلولاته وتحليلاته. لكن الثابت الدائم بقي أن قوى 14 آذار نجحت في نفض غبار التهم العشوائية عنها كما أنها أصابت في تثبيت مدماك الاستقلال الثاني الذي ناضلت من أجل تحقيقه بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
سياسياً، من غير المنطقي أن تقاطع قوى 14 آذار احتفال الاستقلال خصوصاً أنها قدّمت خيرة رجالها في سبيل هذا الاستقلال، كما أنه لا يجوز أن تترك "ساحة الاستقلال" لمن طعنوا في ذاك الاستقلال واغتالوه حين انقلبوا على الوحدة الوطنية ووجهوا فوّهة سلاحهم الى أبناء لبنان. هذا فضلاً عن تمايز قوى 14 آذار في إعطاء الدور الأهم والأبرز لرئيس الجمهورية ليكون اللاعب الأكثر فعالية على الساحة السياسية محققين الثلاثية اللبنانية على الطريقة الوطنية "الشعب والجيش والرئيس"، مقابل تجاهل قوى 8 آذار لهذا الدور بحسب خطابات الأمين العام لـ"حزب الله" المتمسّك بثلاثيته الممانعة وكان ذلك واضحاً بتجاهل القناة الناطقة باسم السلاح خطاب الرئيس عشية الاستقلال.
في المقابل، لا تنفي مشاركة قوى 14 آذار في مناسبة الاستقلال مقاطعتهم طاولة الحوار ولا تلغي رأيهم في ضرورة عدم تقديم التنازلات. فللمناسبة الرسمية، سلام رسمي وحوار مقطوع بين "ممانعي" الاستقلال ومَن يفدونه بدمائهم. ماذا ستكون أبعاد مشاركة قوى 14 آذار في الاستقلال؟ وهل فتحت هذه المشاركة أبواباً مقفلة؟
شدد مصدر "قواتيّ" على أن "قوى 14 آذار لا تقوم بالشيء ونقيضه، فالاستقلال مناسبة وطنية وجامعة وهي في صلب أهداف قوى 14 آذار في الحفاظ على السيادة والحرية الاستقلال". وأكّد المصدر أن "قوى 14 آذار لا تقاطع رئيس الجمهورية إنما طاولة الحوار، خصوصاً أننا نحترم المؤسسات الدستورية وقيادة الجيش والقوى الأمنية وبالتالي فقد جاءت مشاركتنا في هذا السياق".
ولفت المصدر إلى أن "الهدف من مقاطعة جلسات الحوار أو المطالبة بإقالة الحكومة هو الحفاظ على أسسنا في إقامة دولة واستقلال لبنان وصيانة الدستور ولنكون جميعنا تحت سقف القانون، لذا من الطبيعي أن نشارك". هل كنتم تعوّلون على أن تفتح لكم هذه المناسبة حوارات جانبية؟ ردّ المصدر على "ضرورة أن تبقى مناسبة الاستقلال في إطارها وزمانها، خصوصاً أننا لم نقاطع الدولة كدولة"، شارحاً "نحن نطالب بسيادة البلد وسيكون من غير المنطقي ألا نشارك في هذه المناسبة.. بالعكس". وختم "مشاركتنا أتت في إطارها الوطني، والاستقلال هو في صميم مطالبنا ونابع من تاريخنا النضالي".
وكيف تلقّفت قوى 8 آذار مشاركة قوى 14 آذار؟ أجاب نائب الرئيس سعد الحريري الوزير السابق أنطوان أندراوس قائلاً "من الواضح أن "حزب الله" غير مهتم بمواقف قوى 14 آذار وليس مستغرباً أن يقول لهم (الأمين العام لـ"حزب الله") السيد حسن نصرالله "روحوا بلّطوا البحر"، لذا فهو "مش سألان" ولا يعتبر أن هناك فريقاً آخر غيره في هذا البلد، وإذا اعترف بوجود الآخر فليتّهمه بالعمالة لإسرائيل وهذه آخر "نهفة" بالإضافة الى الخيانة".
وشدد أندراوس على أن "نصرالله لا يحترم مؤسسات الدولة فهل يكون غريباً أن لا يحترم رئيس الجمهورية؟". وتابع "بالنسبة إليه رئيس الجمهورية أداة يستعملها لمصالحه، فحين لا تصبّ سياسة الرئيس في مصلحة الحزب يدير له ظهره". ووصفهم بـ"الشموليين"، مضيفاً "يعتبرون أنهم يعيشون وحدهم في لبنان في ظل وجود سلاحهم والهيمنة على الدولة والحكومة، أما رئيس الجمهورية فهو يأتي ثم يرحل من دون يبدّلوا استراتيجياتهم حيث أنهم يفرضون الرئيس الذي يريدون".
إذاً، ما كان هدف قوى 14 آذار من المشاركة؟ يشرح أندراوس "إنها ببساطة مناسبة استقلال لبنان" متسائلاً "شخصياً، لم أشارك مرة في العرض العسكري ولا أعرف كيف نحن مستقلّون؟ وما هي المنفعة من هذا العرض الذي يكلّف ملايين الدولارات؟" وأوضح قائلاً "حالة لبنان على جميع الصعد خصوصاً الاقتصادية والاجتماعية تعيسة فـ"بلاها كلها سوا"، أما وقد حضّر رئيس الجمهورية للاستقبال فمن واجبنا أن نقدّم له التهنئة".
وختم أندراوس "صحيح أن فرنسا خرجت من لبنان لكن في البلد ما هو أخطر وهي القوى المسلّحة الداخلية والتي تهيمن على الحكم فيه، أما الاستقلال الحقيقي فيكون في بناء دولة غير مرتهنة لمصالح الميليشيات".