في مطلع هذا الاسبوع، اختنقت العاصمة بيروت بازدحام سير أَثارَ نقمةً عارمة. للوهلة الأولى، تبدو نقمة المواطنين في محلها، ولكن إذا ذهبنا الى عمق المشكلة، تبين لنا أن "ضحايا الازدحام"، مِنَ المَدَنِيين، يَتَحَمَّلون مسؤوليته أكثر من العسكريين الذين تسببوا به! في ذلك اليوم لم تكن الأزمة، "أزمة سير"، بل "أزمة إدارة"، في دولة تعاني من "أزمة نظام" مزمنة! لقد ذهب الجيش ضحية "إدارة الدولة"، وكالمعتاد، أخطأ اللبنانيون في تشخيص الداء ووصف الدواء! هذه المقدمة تمهّد لأفكار ثلاث.
الفكرة الأولى: هذا الوطن، منذ نشأته، مُصابٌ بأمراض بالولادة. وكما أنَّ مرضَ الانسان لا يَنالُ من قيمتِهِ الإنسانية، فكذلك إن "المرض بالولادة"، لا يُقلِّلُ من قيمةِ الوطن الحضارية. مرضُ لبنان المُزمِنُ هو "إدارة الدولة". الدولة هنا، بمعنى الكهرباء، والتخطيط المُدني، والدوائر الرسمية، وفرص العمل… ويُكابر اللبنانيون، حين يريدون من "الدولة السيئة" أن تُطبِّقَ القوانين الجيدة! و"هل يُجنى مِنَ الشوكِ، العنب" ؟
الفكرة الثانية: خلافاتنا الكيانية حيناً، والغبية أحياناً، والتاريخية دوماً، لم تسمح ببناء دولة القانون. أليست مفارقة في أن تكون لدينا شركات تجارية عمرها تجاوز المئة، وأن نفشل في تعيين رؤساء مجالس، عمرها أقل من عشرين عاما؟ الدليل على عدم استمرار "الدولة" في لبنان، هو أنّ كل المواقع التاريخية عندنا "آثار"، و"خرائب".
ومفهوم الخراب في هذا الوطن، متأصل أكثر من مفهوم الاستمرار. بدليل هذا الكمّ الهائل من القرى والنواحي التي يبدأ اسمها بـ"خربة". خربة سلم. خربة قنفار.الخاربة. الخريبة… في الدول التي فيها "دولة"، ثمة قلاع وصروح لا تزال كما تركها الرومان، وعندنا الوزارات في شقق مفروشة للإيجار. ونريد من وزارة، متنقلة من عمارة الى عمارة، أن تُخطط للخمسين سنة الآتية.
سيأتي وقت تندثر فيه سياحة لبنان الستة آلاف. سنتحول بلد "السياحة الافتراضية"! عدم إتفاق اللبنانيين على نظام سياسي، حوَّلهم بنّائين مَهَرَةً "لدُوَلِهم الخاصة" ونجحوا. المسألة اذاً ليست مسألة معرفة او نزاهة.
المسألة أننا نعيش في وطنٍ نهائيٍ، "بدُوَلٍ" عابِرة! المسؤول الشريف والبارع في إدارة جهاز حزبي، إذا عُيِّنَ في مؤسسة رسمية سيَنهَبُها، وإلّا خان وجدانه وقومه. هو يشعر وبحق، بأن الوزارة مُلكه الى حين، وبعد حين، ستكون لغيره. وهذا "الغير" سيأتي من حزب مُغاير، وطائفة مُغايرة، وفِكر مُغاير.
"لو دامت لغيرك لما وصلت اليك" عبارة معناها اللبناني: عندما تصل اليها لا تترك شيئاً لغيرك. هذا المرض في "إدارة الدولة" جعل الغبي فيها أسوأ من اللص. نريد طُرقاً وجُسوراً وكهرباء من "دولة" وزيرها يعمل لحزبه، وحزبه يعمل لطائفته، وطائفته تريد ان تكرِّس وزارات على اسمها! المشكلة ليست في الوزير أو في حزبه أو في طائفته.
إن هذا الوزير، في بيته، شريف وقدير بحق، وحزبه صادق بحق، وطائفته كريمة بحق، ولكن عند مسألة الوجدان والوجود والحرية، "الضرورات تُبِيحُ المَحظورات". وأسخف السياسيين، مَنْ جَعَلَ عنوان معاركه، ظواهر الأمراض، كالفساد والفوضى.
يريد تغييراً وإصلاحاً، متغافلاً عن أن خيانة "وجدانه السياسي" لا تبني دولة إصلاحه. وأخطر العقائديين، من يقول طبّقوا عقيدتي، وخذوا احتراماً للنظام. مَنْ يعتقد أن الدولة هي "نظام سير صارم"، فليذهب الى كوريا الشمالية. احترام الشعب السويسري للنظام، ليس مَردُّه أن المواطن والمسؤول في سويسرا، من طينة غير طينتنا. ثمة أسباب أخرى. فتشوا عنها.
الفكرة الثالثة: لا إِمكانَ، ولا حِكمةَ، ويجب أَنْ لا نُغَيِّرَ "لبنان الطائف". اليوم وغداً، من الأفضل للّبنانيين أن يكونوا مُتّفقين على عدم عدالة الطائف، من أن يختلفوا على عدلٍ بعيد المنال. ولكن في انتظار نضج "نظام جديد"، كيف يجب ان نعيش؟ هذا الوطن تاريخه وحاضره ومستقبله مجموعة حروب ومعارك وأزمات متلاحقة، متتابعة، متتالية.
الاستقرار في لبنان يُقاس بالأسابيع، ومن ينتظر "استقراراً سويسرياً" قبل مئة عام على الاقل، يَضُرُّ بنفسه وبغيره! وحدها اللامركزية الادارية الموسعة، المنصوص عنها في الطائف، تسمح لنا ان "نبقى ونستمر".
وحدها اللامركزية الادارية الموسعة، يمكن ان تحلّ مشكلة الازدحام المروري بين المتن وكسروان. وان تحافظ على البيئة في مجرى نهر الليطاني، وأن تجعل مكاتب الدوائر الرسمية نظيفة وتليق بالبشر… ومُمَكْنَنَة. وحدها اللامركزية الادارية الموسعة، تُسَرِّعُ بِناء معامل الطاقة الكهربائية على الماء والرياح والغاز.
ليكن لكل قضاء او منطقة او مدينة او بلدة "كهرباؤها". منذ ان عادت البلديات، قامت بإنجازات جبارة. نحن ناجحون ونزيهون ومندفعون، اذا سمحوا لنا بتطبيق شعار " بلديتي، بلدتي، بلدي".
وفاشلون وفاسدون وخاملون، إذا كان الشعار " بلدي، بلدتي، بلديتي". أعكسوا الترتيب وخذوا ما يُدهش العالم. نريد ان ندفع الضريبة بحق وعدل، وأن نحصل على الخدمة العامة بحق وعدل… وكرامة. الضرائب المحلية مقبولة، لأنها تبقى تحت أنظار المواطن، ولا تبتعد كثيراً من جيبه.
سنبقى ونريد أن نبقى، مختلفين، ومتخاصمين، وعلى أرض واحدة. هوايتنا أن نبني وطناً بِدُوَلٍ كثيرة، أو دولةً بولايات، ومواطئ أقدامٍ
للامبراطوريات! لكن إذا رضينا بمشيئة التاريخ، فلا شيء يمنعنا من الإنتفاضة على مشيئة الأغبياء من حُكامنا.
نريد طريقاً سريعة الى المدارس، والمصانع. نريد ان نتخاصم ونحن نعيش انسانيتنا. نريد أن تأتي الينا كل المُغنيات العابثات، فننقسم بين مرحب وشاجب. نريد ان يزورنا كل دعاة الأديان، من مديغوريه وقم والأزهر، فننقسم بين مؤمن ومُشكّك وعابث! التجربة اللبنانية ربما هي: صباحاً في الجامعة او المكتب، وعصراً في ساحاتِ التظاهرات، وليلاً في الملاهي الليلية.
بندقية للصيد، وبندقية للدفاع عن النفس، وبندقية للجيش اللبناني! نريد أن نلبس الجينز والشروال والحجاب. ونريد لمن بدت عارية الظهر أن لا يُطعن بشرفها او بظهرها! نريد بناء ناطحات سحاب تتسابق اليها الشركات الاجنبية، ونتسابق، نحن اللبنانيين، المُتشنّجين، لنغطيها بأَعلامِ أحزابنا… وبقليلٍ من أعلام الوطن الجامع المقدس الرسولي. العبرة الكبيرة من "الازدحام بسبب التدريب"، أن هذه المساحة من الارض لا تَتَّسِعُ لشعبها ولا لجيشها.
ظهر الجيش كأنه "الدولة" بمعناها البدائي، فيما هو مؤسسة ناجحة في "دولة الفشل". وظهر الشعب كأنه كائن حي، لا هو إنسان، ولا هو مواطن. اللامركزية الادارية الموسعة تتيح لنا "إدارة دولة" تليق بشعبها وبجيشها وتتسع للإثنين معاً. والأهم أنها تتيح لنا أن نتمتع بالحياة، ونعيش لنقتَتِل ونَتقاتَل. أليست اللامركزية الادارية مُغرية بما يكفي؟