عدم القبول بالحلّ الذي تطرحه قوى 14 آذار لتبريد الساحتين الوطنية والسياسية اولا، واعادة التوازن الى صيغة العيش المشترك ثانيا، وتأمين العبور الهادئ والسليم الى الاستحقاق النيابي في بداية الصيف ثالثا، هو نوع حادّ من انواع الكيد السياسي من اي جهة اتى، لأن مطالبة 14 آذار بحكومة حياديين مطعمة بعدد من التكنوقراط المشهود لهم بالخبرة والنجاح واليد النظيفة، تكون مهمتها الوحيدة اجراء الانتخابات النيابية في موعدها، دون ان يكون رئيسها واعضاؤها مرشحين للانتخابات، هي مطالبة عاقلة وموضوعية وعلى مستوى عال من التعفف والزهد، خلافا لما تتهم به، لأن 14 آذار في ما تطرح تطمح الى تحقيق امرين، الاول تخفيض امكانية حصول عمليات اغتيال سياسي، بتخفيض منسوب التوتر القائم في ظل الحكومة الحالية، والثاني ترك الكلمة الاخيرة في تشكيل الحكومات السياسية الى الناخب اللبناني في الانتخابات المقبلة، بحيث اذا حصلت قوى 8 آذار على الاغلبية النيابية بنتيجة انتخابات نزيهة وقانونية وسليمة يحقّ لها ان تشكّل الحكومة التي تريد وتتحمل وحيدة نتائج الربح والخسارة في ادائها الحكومي، واذا جدد الشعب اللبناني الثقة بمرشحي 14 آذار للمرة الثالثة، فمن الطبيعي ان تحكم وتذهب قوى 8 آذار الى المعارضة. اما موضوع المشاركة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية او ائتلاف وطني، فهذا امر لم يعد واردا بعد وصول الخلاف بين 8 و14 آذار الى هذه الدرجة من عدم الثقة والعداء والاتهامات والتصنيف، خصوصا عندما تأنف قوى 8 آذار من الجلوس الى طاولة حوار واحدة، مع قيادات من 14 آذار، معتبرة انها تنازلت سابقا بكرم من اخلاقها وقبلت بالتحاور مع هذه القيادات والكل يعرف ان هذا النوع من الكلام والتصرف، لا يترك للصلح او للحوار مكانا، وبالتالي لم يعد ممكنا سوى الاحتكام الى الشعب ليقرر من هو العميل والقاتل والفاسد والمتآمر، ومن هو الحريص على قيام الدولة والمؤسسات والاستقرار ودوران العجلة الاقتصادية والانمائية والاجتماعية في شكل سليم ودائم، فيعطيه الثقة لمدة اربع سنوات مقبلة علّه يحقق ما هو عليه.
* * *
من جملة المواقف التي تدعو الى الاستغراب وحتى الاستهجان، اعتراف رئيس الحكومة نجيب مقاتي بأن استقالة حكومته من شأنها اراحة الوضع الداخلي، ولكنه لن يستقيل لأنه حريص على عدم الوقوع في الفراغ، الذي قد يؤدي الى الفتنة، ولذلك يجب التوافق المسبق على هوية رئىس الحكومة المقبل وعلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، والمبادرة التي يحاول النائب وليد جنبلاط تسويقها، لا تختلف في المضمون عمّا يقوله ميقاتي ويردّده الحليف الثاني الرئيس نبيه بري باستثناء تصاعد التخويف من فتنة حتمية، اذا لم تشكل حكومة وحدة وطنية، وكأن جنبلاط يحاول ان يقول ان هناك فريقا لبنانيا يملك القوة والسلاح اللذين لا يملكهما غيره، على استعداد لقلب الطاولة والاستيلاء على الحكم ان لم يكن راضيا عن الحكومة التي ستخلف حكومة ميقاتي، وهذا يعني ببساطة ان هذا الفريق يقبل بالنظام البرلماني الديموقراطي الحر الذي اعتمده لبنان منذ فجر الاستقلال الاول، طالما انه قادر على التحكّم بمفاصل هذا النظام كما يريد، وهو سوف ينقلب عليه بالقوة اذا شعر ان ارادة الشعب ستحمي استمرار هذا النظام.
من جديد الزعيم الاشتراكي اعلان قيام تحالف بينه وبين الرئيسين بري وميقاتي، وكان مستغربا منه اعلانه ان رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان التوافقي الحيادي الواقف على مسافة واحدة من جميع الافرقاء، هو شريك في هذا التحالف، وهذا امر يصعب تصديقه ما لم يصدر تأكيد له من بعبدا، لأن سليمان قد يشجع قيام تحالفات وسطية تخفف من حدة الخلاف بين القوتين الكبيرتين 14 و8 آذار، ولكن ان يكون مشاركا في تحالف ما، فهذا امر مشكوك فيه حتى اشعار اخر، ولكن في مطلق الاحوال، وفي مثل الظرف الصعب القائم، من غير المنطقي ولا من العدل بشيء الطلب من قوى 14 اذار ان تخضع مرة جديدة الى منطق القوة، وتتنازل عن طرح منطقي ووطني ودستوري، ولا يصبّ في مصلحتها، وهو يتيح فرصة عادلة امام جميع القوى السياسية لتظهر قوتها وقدراتها، وكان من الواجب دعم هذا الطرح والسير به، بدلا من محاولات احتواء 14 آذار وجمهورها، وليّ ذراعها وذراعه وتخويفهما بالصوت العالي.