#adsense

“حزب الله” الممسك بقرار.. الصواريخ

حجم الخط

 

 

لا يمكن فصل الصواريخ "اللقيطة" التي عثر عليها في مناطق جنوبية قريبة من الحدود، عن الأحداث الممتدة من سوريا الى غزّة، رغم الفارق في هوية المعتدي والمعتدى عليه في سوريا وفلسطين.. كما لا يمكن فصل هذه الظاهرة القديمة – الجديدة عن التسيّب الأمني السائد في لبنان، وغياب الدولة أو تغييبها بشكل شبه تام عن مسؤولية بسط سلطتها على كامل تراب الوطن، بفضل هيمنة دويلة "حزب الله" التي ترعى دويلات أخرى تفرّخ على جوانبها، ومربعات أمنية تبقى عصية على الأجهزة الرسمية.

في القراءة الأمنية لهذه الظاهرة، بحسب مطلعين، يمكن وضع مسؤولية الصواريخ عند أكثر من جهة لبنانية وغير لبنانية، بالنظر الى تقاطع المصالح الداخلية والإقليمية التي توظّف هذه القضية في حساباتها، ومنطقي أن تتجه الشبهات الى أربع جهات هي:

الأولى: "حزب الله" الذي يجاهر ولو إعلامياً بتعاطفه مع القضية الفلسطينية، وأطفال غزّة، وربما أراد منها توجيه رسالة بالغة الحزم الى إسرائيل بإمكان توسيع الجبهات، وتعميق مأزق بنيامين نتنياهو الداخلي، وحرف الأنظار مجدداً عن مسرح الأحداث في سوريا، بعدما فاجأه اتفاق وقف إطلاق النار السريع الذي رعته مصر، ولم تكن ترغبه طهران.

الثانية: الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة، التي باتت جزءاً لا يتجزّأ من القوة العسكرية الضاربة للنظام السوري، التي تشارك في قتل الشعب السوري وترويع فلسطينيي سوريا، والتي لها مصلحة أكيدة في إشعال جبهة لبنان، علّ هذه الجبهة تخلط الأوراق مجدداً.
الثالثة: التنظيمات الإسلامية المتشددة على شاكلة "فتح الإسلام"، وفلول "القاعدة" التي لها بعض التأثير داخل المخيمات الفلسطينية في الجنوب، بصرف النظر عن ضيق هامش تحركها، لكونها مراقبة من الأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية، وصعوبة خروج عناصرها بمفردهم، فكيف الحال مع صواريخ ومنصات على شاكلة تلك المضبوطة والتي تبتعد عشرات الكيلومترات عن مناطق العثور عليها؟.
الرابعة: طابور خامس، ربما قد يستغلّ الوضع اللبناني المضطرب أصلاً، والنفاذ من الثغرات الكثيرة لإشعال الوضع، واستحضار عدوان إسرائيلي واسع على لبنان من الجبهة الجنوبية الواقفة على "صوص ونقطة" كما يقول المثل اللبناني الدارج.

غير أن التحليل المنطقي بحده الأدنى لما يحصل، يفيد بحسب المطلعين بأن هناك جهة مستفيدة من مسلسل الصواريخ، وجهة مسؤولة عنه. فالجهة المستفيدة هي بالدرجة الأولى النظام السوري، الذي كلّما أخفق في إحداث الفوضى في مكان، يسارع الى محاولة إشعالها في مكان آخر، فبعد أن فشل في إشعال الفتنة اللبنانية ـ اللبنانية بعد إحباط مخطط ميشال سماحة – علي مملوك، الذي دفع ثمنه اللواء الشهيد وسام الحسن حياته، جاءت تحرشاته المحدودة في الجولان، وعندما لم يعر له الإسرائيلي الاهتمام، عمل لتفجير جبهة غزّة من خلال بعض عملائه الذين أطلقوا بضعة صواريخ استدعت حرباً إسرائيلية واسعة على غزّة وحركة "حماس" التي أثبتت قدرتها على المواجهة من دون الحاجة الى دعمها بدعاية إعلامية من "حزب الله" وإيران. ولأن معركة غزّة لم تؤتِ ثمارها وفق ما كان يشتهيه بشار الأسد ونظامه، جاءت رسالة الصواريخ من جنوب لبنان، التي تبقى غايتها الأولى والأخيرة استدراج عروض إقليمية ودولية من أجل التفاوض مع الأسد وأتباعه، والوصول الى صفقة تفك الخناق عن عنقه، سيما وأن الأسد يعتبر ورقته الوحيدة التي ما زالت رابحة هي الورقة اللبنانية، مستنداً الى قدرته في تحريك حلفائه للتحرش بإسرائيل متى رأى حاجة له بذلك.

أما الجهة المسؤولة بالمعنى السياسي والأمني عن هذه الصواريخ فهي "حزب الله"، سواء كان هو من افتعلها أو وبحسب المراقبين جهة أخرى تعمل تحت جناحه أو خارجة عن إرادته. بالمعنى السياسي تكمن مسؤولية هذا الحزب، في كونه العائق الوحيد أمام قيام الدولة بواجباتها وببسط سلطتها على الأراضي اللبنانية كافة بدءاً من الخط الأزرق الذي يفصل بين لبنان والكيان الصهيوني، وصولاً الى العريضة في الشمال ومنها الهرمل ومشاريع القاع فقوسايا في البقاع، ذلك أن الحزب الذي لم يكتفِ بفرض هيمنة سلاحه المنتشر في كل بقعة لبنانية، هو من أصرّ على إفشال مقررات الحوار الوطني وأعاق تنفيذ كل البنود التي اتفق عليها بالإجماع وفي أساسها حل السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وتنظيمه داخل هذه المخيمات، بحجة أن هذا السلاح هو سلاح مقاومة (بنظر "حزب الله")، فيما الوقائع تفيد بأن له وظيفة إقليمية هدفها زعزعة أمن لبنان، وهو ما ترجم في معارك نهر البارد والاشتباكات المتقطعة بمحيط عين الحلوة وقوسايا وغيرها.

أما بالمعنى الأمني، فإن "حزب الله" وحده الممسك بزمام الأمن في جنوب لبنان، كما في الضاحية الجنوبية والبقاع وبيروت وجبل لبنان وغيرها، وهنا لا يستطيع الحزب أن يدعي أن أمن الجنوب هو من مسؤولية الجيش اللبناني وقوات "اليونيفيل"، لأن الذي أسقط طائرة الجيش في سجد وقتل قائدها النقيب الطيار سامر حنا، لا يستطيع أن يتنصّل من مسؤولية كل ما يجري في الجنوب، ومن يمنع على قوات الطوارئ أن تسيّر دورياتها في مناطق تواجده، ويحرّض عليها النساء والأولاد والرعاع لرشقها بالحجارة والتصدي لها كي لا تقوم بمهامها، لا يمكنه أن يتبرّأ من هذه الصواريخ المجهولة المصدر، المعلومة الهوية والتبعية.

أمام هذه الحقائق، فإن "حزب الله" وحده يتحمّل مسؤولية التوتير في الجنوب، وعليه أن يحسب بشكل دقيق أبعاد مغامرة من هذا النوع، قد يعرف متى تبدأ لكنه لا يعرف كيف ومتى تنتهي، وهي بالتأكيد لن تكون صورة عن تجربة غزّة الأخيرة، قبل أن يجر لبنان الى دمار جديد ويعود الى مقولته الشهيرة "لو كنت أعلم".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل