كتبت مي عبود ابي عقل في "النهار":
في خطاب الاستقلال الاخير كرر رئيس الجمهورية ميشال سليمان ان " الواجب يفرض على جميع الفرقاء الاقدام على الحوار بقلب منفتح عوض البحث عن الذرائع والحجج لتعطيله، وتقييده بشروط مسبقة، او التشكيك بوطنية المتحاورين". وفي هذا الاطار، تنطلق حركة رئيس "جبهة النضال الوطني" وليد جنبلاط مع مختلف الافرقاء لوضع ورقة عمل واطلاق مبادرة ترتكز على الحوار. لكن يبدو ان الامور تراوح مكانها، وكل فريق باق على موقفه، قوى 14 آذار ترفض الحوار قبل اسقاط الحكومة، وقوى 8 آذار لن تتنازل بسهولة عن الحكم.
كانت مناسبة ترفيع البطريرك بشارة الراعي الى رتبة الكاردينالية مثابة ورقة انقاذ للرئيس نبيه بري، فكان سفربعض النواب حجة "ضرورية ولكن غير كافية" لالغاء الدعوة الى جلسة عامة لاستقبال رئيس جمهورية ارمينيا، فأنقذ ماء وجه البرلمان الذي كان سيتغيب عنه معظم نواب قوى 14 آذار ومن بينهم النواب الارمن. من هذه النقطة كانت بداية الحديث مع الوزير السابق والنائب جان اوغاسبيان.
* ما اهمية زيارة الرئيس الارميني سيرج سركيسيان بالنسبة الى ارمن لبنان؟
– الزيارة مهمة ليس على صعيد ابناء الطائفة الارمينية وحدهم، بل على مستوى تطوير العلاقات وتفعيلها بين لبنان وارمينيا. هناك مصالح مشتركة، واستثمارات لبنانية كثيرة في ارمينيا. وعلى مستوى الانتشار الارمني، من المفيد استمرار هذه العلاقات لأن هناك قضايا ارمنية موحدة في كل العالم، وبالتحديد مسألة الاعتراف بالمجازر التي ارتكبتها السلطنة العثمانية في بداية القرن العشرين في حق الارمن، وهذه تتطلب استمرار اللقاءات توصلاً الى تحقيق الاهداف. اما المستويات الاخرى في مجال الاقتصاد والمال والاستثمارات او الاتفاقيات بين البلدين فهي شأن لبناني ونتمنى ان تتفعل اكثر، لأن فيها منفعة مشتركة لبنانية – ارمينية.
* قال الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ان استقالة الحكومة ليست الحل ولا مقاطعة الجلسات والمؤسسات، داعيا الى محاسبة الحكومة من داخل المجلس. اليس هذا دليلاً على عدم ممانعة الغرب في بقاء هذه الحكومة؟
– العلاقات اللبنانية – الفرنسية من الضرورات، والغرب اليوم، وبالتحديد الدول ذات العضوية الدائمة في مجلس الامن، لديها حرص كبير على ابعاد شبح التفجيرات السورية عن لبنان، واكدت في الوقت ذاته ان لبنان ليس على سلم الاولويات، كذلك لا وجود لضوابط عربية في هذه المرحلة. كل الكلام الذي يصدر من الدول الصديقة الغربية والاميركية ينحو الى الهدوء في الداخل اللبناني، ولكن الكل يجمع على ان هذه الحكومة ليست في مستوى متطلبات المرحلة، ولا يمكن ان تنتج شبكة امان تحمي البلاد من مضاعفات ما يحدث في سوريا على الداخل اللبناني. في الخارج يعرفون ان هذه الحكومة تأخذ البلاد الى المزيد من الانقسامات مما يؤدي الى توتر وتشنج وتعبئة مذهبية، وهي لم تتمكن بأدائها وامكاناتها وقدراتها وواقعها السياسي من ان تبني حدودا آمنة. وهناك فلتان أمني على الحدود وفي الداخل، والتسليح ومظاهر التسلح تتزايد في شكل كبير. مجرد وجود هذه الحكومة هو باب مشكل، لأن هناك فريقاً آخر هو فريق 14 آذار يعتبر انها جاءت بانقلاب وبقوة السلاح وبالقمصان السود وخارج كل الاعراف، ولن احكي عن اخفاقاتها في كل المجالات ولاسيما الواقع الاقتصادي.
من ناحية أخرى هذه الحكومة تولد النعرات الطائفية لدى الناس، وتأخذ البلاد الى صدامات وتوسع الهوة بين الاطراف، وهناك فريق سياسي هو نحن، يعتبر نفسه مضطهداً، والاسوأ ان هناك مذهباً يعتبر نفسه معزولا. كل هذه الامور تولد نفوراً بين الفرقاء اللبنانيين. كيف نخرج من هذا الوضع؟ هل نحن قادرون على التغيير او التأثير بطريقة ما في مجريات الاحداث السورية؟ ابداً ولا في أي شكل. أما في الداخل فيمكننا احداث صدمة ايجابية، وهذه تتطلب استقالة الحكومة والاتيان بجديدة على غرار حكومة ميقاتي 2005 من اصحاب الاختصاص ومعروفين وغير مرشحين للانتخابات وليسوا حزبيين.
* كيف تحل هذه الأمور بغير الحوار؟ ترمون كرة النار في حضن رئيس الجمهورية وتطلبون منه التصرف من دون اعطائه الوسيلة؟
– في جلسة هيئة الحوار في بيت الدين قلت ان قيادات فريق 8 آذار طرحت مسائل عدة قالت انها تتطلب موقفاً وطنياً، منها المخطوفون في سوريا وسلسلة الرتب والرواتب وتفشي السلاح. قلت لهم كيف نأخذ هذا الموقف اذا كنتم آخذين السلطة وتعزلون فريقاً سياسياً في لبنان، وتريدون ان تحكموا وحدكم؟ نحن نقول انكم اتيتم بالقوة وبمنطق السلاح، وتأخذون البلاد الى صدام وتمارسون التهويل والتخوين؟ تريدون الامر وضده. وفوق ذلك حصل تغيير غير ديموقراطي في مسألة التوازنات. طرحت في تلك الجلسة البحث في مبدأ حكومة استثنائية لمرحلة استثنائية انتقالية. وكان رد فعل 8 آذار الرفض، وأن طاولة الحوار لا يمكن ان تبحث في مسألة الحكومة، بل هي للاستراتيجية الدفاعية وحتى لسلسلة الرتب والرواتب… ووافقني يومها الرئيسان امين الجميل وفؤاد السنيورة، وحتى الرئيس نجيب ميقاتي كان موافقا، وذكر يومها في حديث مع الاعلاميين ان المرحلة تتطلب حكومة استثنائية. فما الذي تغير اليوم ليزايدوا علينا في الحوار؟
* لكن الرئيس لا يطالب ببحث تغيير الحكومة على طاولة الحوار، بل من ضمن امور عدة اخرى، فلماذا لا تلبون الدعوة؟
– جهود الرئيس ميشال سليمان مشكورة. وأنا أحترمه منذ زمن بعيد وأقدّره، لكن اليوم بعد كل المواقف الوطنية التي يأخذها وتدل على مسؤولية كبرى، اصبحت مبهورا به وبمواقفه. أما فريق 8 آذار وتحديدا "حزب الله" فهو يستأثر بالقرار الاستراتيجي السياسي والأمني وهو صاحب القرار. اذا لم يقتنع ان هذه الحكومة تأخذ البلاد الى صدام مذهبي والى حرب أهلية، عدا عن كل اخفاقاتها، فهذه كارثة. الازمة السورية والحرب المذهبية صارتا عندنا، والحل الوحيد هو التوافق اللبناني الذي حكوا هم عنه عبر حكومة يتفق الجميع عليها وعلى ضرورة الشراكة في الواجبات والمسؤوليات والنتائج. اذا "حزب الله" لا يريد ان يعترف بذلك، فكل الحراك الذي يحصل من فخامة الرئيس او وليد جنبلاط وكل الكلام من العرب والغرب غير مجد. اذا لم يقتنع الحزب فانه يأخذني الى الحوار ليلهيني وليضيع المزيد من الوقت ويعرض البلد لمزيد من الأخطار. اما اذا اقتنع، ويوم تجعله حساباته ومصالحه الاستراتيجية يقتنع بوجوب تغيير هذه الحكومة، فخلال 48 ساعة تكون عندنا افضل حكومة بلبنان.
* الا تعتقد ان 14 آذار تواجه ازمة داخل صفوفها، مثلا الكتائب موافقون على الحوار؟
– آخر اجتماع في بيت الوسط وحضرته كل مكونات 14 آذار وبينها حزب الكتائب، صدر عنه موقف واضح في بيان: لا حوار قبل استقالة هذه الحكومة، مع كل التقدير والاحترام لجهود رئيس الجمهورية ووليد جنبلاط. الامر محسوم: لا حوار، لأن الحوار سيأخذ البلاد الى كارثة. البلاد ذاهبة الى الهاوية لأن مظاهر التطرف، لدى كل الفئات، وما تنتج من اعمال ارهابية، تخيف الجميع وتخيفني شخصياً.
* اعلن جنبلاط حلفاً رباعياً يجمعه مع الرئيس سليمان وبري وميقاتي، يدعو الى الحوار والاتفاق على حكومة كي لا نقع في الفراغ. هل تقفون في وجه هذا الحلف؟
– لا اعرف على ماذا يرتكز هذا الحلف. اتساءل كيف يمكن الرئيس بري ان تكون لديه خيارات استراتيجية خارج اطار "حزب الله"؟ البلاد في خطر والحرب السورية صارت عندنا بكل مكوناتها باستثناء " القواص"، وهناك تعبئة مذهبية قوية في العالم الاسلامي والعربي ولبنان. اذا كان "حزب الله" لا يريد تدارك الامر، ويجلس مع جماعة الاعتدال عند السنة، ورمزه في لبنان هو سعد الحريري، ويبحث في خلاص هذا الوطن لأن الموس على رقبة الجميع، فلبنان ذاهب الى كارثة، وكل الباقي كلام بكلام.
* ولكن "حزب الله" دعا الى الحوار.
– هذا الحوار شكلي وغير مجد، والا لكانت ظهرت نتائجه العام 2006. سماحة السيد حسن نصرالله لديه المفتاح، ولا يستعمله لأن لديه اعتباراته وحساباته. لكن هذه الاعتبارات آخذة البلاد الى كارثة لأن مشكلته مع اللبناني. فالحزب يواجه المواقف السياسية بـ 7 ايار او بالقمصان السود. لا يمكن ان يستمر في طريقة التعاطي هذه التي تولد التعبئة والتوتر والتشنج والصدام.
* والحل؟
– واحد، هو ان يقتنع سماحة السيد انه لا يجوز الاستمرار في ادارة السلطة في لبنان بالطريقة والاسلوب والمنهحية والآلية المتبعة. هذا الوضع سيأخذ لبنان الى صدامات وخلافات وصراعات، والحرب السورية التي وصلت الينا ستترجم عسكريا في الداخل اللبناني، وتفتح مجالا لكل انواع التطرف. القرار عنده.
* واذا عادت 14 آذار الى الحكم فيصبح الوضع افضل؟
– نحن لا نريد العودة الى الحكم ولا نطالب بحكومة 14 آذار، بل بحكومة انتقالية استثنائية وانقاذية لايكون فيها 8 ولا 14 آذار. والنموذج حكومة ميقاتي 2005.
* حكومة لاجراء الانتخابات لا غير؟
– حكومة لتهدىء الوضع الداخلي وتنفس الاحتقان، ولا يعود هناك فريق سياسي يخوّن ويعزل وفريق آخر يعتبر نفسه مضطهدا، وليتوقف الخطاب المذهبي. وعندما تهدأ الامور في ما بعد، وتصير عندنا ثقة بأن هذه الحكومة يمكنها ان تمرر الفترة الانتقالية، نجلس الى طاولة ونحكي.
* واذا ربحت 14 آذار الانتخابات ألن تشكل حكومة الفريق الواحد على غرار الحكومة الحالية؟
– نعم، لكنها تكون حكومة منبثقة من انتخابات ديموقراطية ومن قرار الشعب، وليست نتيجة للقمصان السود و7 أيار. الرئيس ميقاتي ليس صاحب القرار في بقاء الحكومة او ذهابها. صاحب القرار الوحيد هو "حزب الله".