#adsense

اللعب على الكلام: “المقاومة” و”الحوار” مثالاً!

حجم الخط

كتب محمد مشموشي في "المستقبل":

كما هو الحال في كلمة "المقاومة" التي يحاولون منذ سنوات اختصارها بسلاح "حزب الله"، كأن لا مقاومة الا بهذا السلاح، يجري الآن التعامل مع كلمة "الحوار" باعتبارها تعني "طاولة الحوار" فقط لا غير، وكأن لا حوار ممكناً في المرحلة اللبنانية الحالية الا على هذه الطاولة.

بالنسبة الى المقاومة، شهد اللبنانيون طيلة الأعوام الماضية ما يمكن اعتباره مصادرة متعمدة للكلمة، الى درجة أن مجرد النطق بها (ولو في سياق الكلام عن مقاومة البرد أو الغزو الثقافي أو التطبيع على سبيل المثال) كان يؤدي الى حساسية لدى أصحاب الوكالة الحصرية للحروف الثمانية التي تتألف منها. لا "مقاومة" الا سلاح "حزب الله"، في عرفهم وخطابهم وحتى في ممارساتهم اليومية، وكل استخدام لهذه الكلمة يستفاد منه أنه يمكن أن تكون هناك مقاومة أخرى، سياسية أو ديبلوماسية مثلاً، يواجه اما بتخوين قائله أو أقله بوضعه على لائحة المتآمرين على هذا السلاح. وعملياً، ففي هذا الاطار وليس في غيره جاء الترحيب المبالغ به، ولاحقاً التخندق الكامل، من قبل "حزب الله" وحلفائه خلف مقولة "الجيش والشعب والمقاومة"… باعتبار أن المقاومة هنا انما تعني سلاح "حزب الله" ولا شيء غيره.

وما يحدث الآن بالنسبة الى الحوار، الذي يقال حقاً إنه روح لبنان وأساس وجوده والعيش المشترك بين أبنائه، لا يختلف في شيء عما سبق بالنسبة الى كلمة المقاومة. الحوار، من وجهة نظرهؤلاء أنفسهم، لا يعني سوى "طاولة الحوار" التي دعا اليها الرئيس نبيه بري في ربيع العام 2006، ثم أعيد احياؤها بعد "اتفاق الدوحة" في العام 2008، مع أن جدول أعمال هذا الحوار يقتصر على أربعة بنود فقط لا غير: المحكمة الدولية بعد الخلاف حولها واستقالة بعض الوزراء نتيجة ذلك، نزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وتنظيمه داخلها، ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا (خرجت الطاولة بمقولة، بطلب من الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله، ببدعة تحديد الحدود وليس ترسيمها مع أن لا خلاف في المضمون بين الكلمتين)، ومصير سلاح "حزب الله" الذي خرج كذلك، وأيضاً بطلب من السيد حسن، بعنوان "الاستراتيجية الوطنية للدفاع"، والذي ما يزال يدور في الحلقة المفرغة اياها منذ ذلك التاريخ.

ربما كان لمبادرة الرئيس بري مبرر عملي في ذلك الوقت. فلم تكن هناك رئاسة جمهورية، أو أقله رئيس جمهورية أيام اميل لحود يمكن أن يلعب مثل هذا الدور، كما لم تكن هناك حكومة ومجلس نواب فاعلان (مركزا الحوار الدستوريان في لبنان) في ظل الخلاف المحتدم داخلهما وبين أعضائهما، فتم بنتيجة ذلك ابتداع ما سمي "طاولة الحور الوطني" سعياً الى حوار كان مستحيلاً في مواقعه الطبيعية والدستورية: مجلس الوزراء ومجلس النواب ودائما برعاية رئاسة الجمهورية.

وليس خافياً أنه منذ ذلك الوقت، وحتى في ظل حكومات كان يطلق عليها اسم "وحدة وطنية"، لم تتوقف المحاولات للقفز فوق مواقع الحوار الطبيعية والدستورية في البلاد ولتكريس "طاولة الحوار" بديلاً عنها خصوصاً عندما ينشب خلاف حول مسألة من المسائل. هل نسي أحد بعد حكايات شهود الزور والقرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتمويل المحكمة الدولية وغيرها من القضايا التي كانوا يطالبون بتحويلها الى طاولة الحوار؟.

من نافل القول ان الأمر لا يقف عند كلمة "طاولة الحوار"، تماما كما هو بالنسبة الى "المقاومة"، وان الهدف في النهاية الغاء عمل المؤسسات الدستورية، أقله كأمر واقع في الأوضاع الراهنة، واستبدالها بهيئة غير دستورية أصلاً اضافة الى أن قراراتها غير ملزمة كما ثبت بالدليل (نزع السلاح الفلسطيني في الخارج وتنظيمه في الداخل) فضلاً عن أنه يمكن التراجع عنها (رفض "حزب الله" لاحقاً انشاء المحكمة الدولية). هل نسي أحد أيضاً أن الحزب وحلفاءه رفضوا دائماً الاعتراف حتى بنتائج الانتخابات النيابية وتصرفوا وكأن شيئا لم يحدث؟.

الآن، وبعد قرار قوى 14 آذار مقاطعة أعمال الحكومة ومجلس النواب، ومبادرة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان لرعاية حوار داخلي بهدف الخروج من المأزق والبحث في امكان تشكيل حكومة جديدة، تعود النغمة اياها للظهور في محاولة مكشوفة لتقزيم الحوار اللبناني، قاعدة لبنان التعدد والعيش المشترك، الى مجرد طاولة جرى اللجوء اليها في ظروف استثنائية هي "طاولة الحوار". وهي، في هذه الحال، لا تشكل اعتداء على المؤسسات الدستورية فقط، وانما أيضاً على دور رئيس الجمهورية وصلاحياته كحام للدستور وضامن لصيغة العيش المشترك والحوار الدائم بين اللبنانيين.

لبنان في أزمة، لا شك في ذلك. وهي أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية ومالية، يشعر بها ويعانيها اللبنانيون كلهم من دون استثناء، لكن ما لا يجوز إغفاله أن من يصادر الدولة ويمنع اعادة بنائها (سلاح "حزب الله" وحلفائه) انما يعمل، تبريراً لفعلته وتكريساً للأمر الواقع هذا، على تزوير الوقائع… بما في ذلك حتى الكلمات ومعانيها.

وبحسبه، لا مقاومة الا "مقاومة" سلاح "حزب الله" الذي يستخدمه متى وأين وكيفما يشاء… حتى بقرار من ايران على طريقة الطائرة من دون طيار، ولا حوار بين اللبنانيين الا على "طاولة الحوار"، بغض النظر عن مخالفة مثل هذا الحوار للميثاق الوطني والدستور والغائه العملي للمؤسسات الدستورية… مؤسسات الحوار الطبيعي والحقيقي بين أطياف هذا البلد ومكوناته، عملياً، لا لبنان الا "لبنان" الذي في أذهانهم… بل في المخطط الاقليمي الذي دائماً ما يفتخرون بأنهم جزء لا يتجزأ منه.

… وما أكثر كلمات الحق التي يراد بها باطل!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل