وعود كثيرة ومصيرية أغدقتها حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عند انتخابها على رأسها السلاح لكنّها لم تحقق منها إلا الهدف الذي اختيرت من أجله وهو حماية السلاح غير الشرعي. ومنذ انتخابها، ينتظر النقابيون بكافة اهتماماتهم أن تقرّ الحكومة سلسلة الرتب والرواتب.. لكنّ فرحة النقابات بالوعود لم تكتمل لأن الهدف الأساسي للحكومة كان التستر على عيوب السلاح ولا شرعية سيطرته على الأراضي اللبنانية..
هذا فضلاً على أن الحكومة لم تقف يوماً عند هموم الشعب ومشاكله ولم تستمع لمطالب نقاباته، وحيث إن النقابة منبثقة من الشعب وتمثّل مختلف مجالات عمله، وقد وُجدت أساساً للدفاع عن مصالحه ها هي اليوم تحتجّ احتجاجاً شديد اللهجة بإعلان الإضراب العام ليومين متواصلين بما يشبه العصيان النقابي والشعبي الشاملين والكاملين لإيصال رسالة المقاطعة للحكومة..
وهي ليست المرة الأولى التي تعلن فيها النقابات الإضراب العام، وليست النقابات الجهة الوحيدة التي تقاطع الحكومة. فالمقاطعة باتت عامة والحكومة مستمرة في نأيها بالنفس عن النقابات والشعب والسياسة الاقتصادية والاجتماعية.. انتظر النقابيون شهوراً، وأكثر من سنة أمهل اللبنانيون حكومة "حزب الله" لتلتفت الى معاناتهم، لكن هذه الحكومة أمعنت في أذية اللبنانيين سياحياً، اقتصادياً، صحياً واجتماعياً لتصبّ جام غضبها عليه وتنتقم منه بأدوية فاسدة ومخدرات مهرّبة وطعام فاسد وفتنة عابرة للحدود لتشكل سند الظهر لكل من يغذي الفتنة والحرب الأهلية هنا وهناك.
أدرك اللبنانيون أن هذه الحكومة لم تصل الى الحكم سوى لتنفّذ مآرب السلاح الذي يسندها بفوّهته، وكانت قوى 14 آذار أول من حذّر من خطورة حكومة السلاح على الأمن والسلم في لبنان، خصوصاً بعدما أظهر أعضاؤها امتعاضاً من شركائهم فيها على خلفية قضايا اقتصادية وسياسية لا تؤمن مصالحهم الشخصية..
هكذا عمد أعضاء الحكومة الى تقاسم المغانم وحلحلة القضايا العالقة عن طريق "التنفيعة" ورموا كل ما لا يلزمهم على الشعب، فكان من نصيبه طعام فاسد، نأي بالنفس، ارتفاع في أسعار المحروقات، ارتفاع في أسعار المنتجات الضرورية والكماليات، دواء فاسد ومخدرات مهرّبة.. كل ما لا يتمناه الإنسان الخيّر لعدوّه، نصبته فخّاً حكومة السلاح للشعب اللبناني في دويلة حزب السلاح. أقل ما تستحقه هذه الحكومة كعقاب سلمي على أفعالها مقاطعة سياسية من قوى 14 آذار، ومقاطعة شاملة من القطاع العام نفسه أي الدولة والشعب المتمثل في النقابات.. قطعت الحكومة سياسة مدّ اليد والتواصل مع أبناء الوطن فقاطعها الشعب ليومين من الإضراب ولسنوات من فقدان الثقة.
رأى مستشار الرئيس سعد الحريري الدكتور غطاس خوري أن "التحالف الذي تقوم عليه هذه الحكومة مهتزّ وأنها تواجه رفضاً من غالبية الشعب اللبناني". وتطرّق الى الجانب "الاقتصادي-الاجتماعي الذي يعبّر عن انهيار كامل للبلد وانخفاض النموّ، كذلك الهموم المتنقلة من نقابة الى نقابة ومن قطاع الى آخر". وخلُص الى أن "رحيل هذه الحكومة بات أكثر من ضروري".
ولفت خوري الى أنه "مع تضعضع الوضع وانفلات هيبة الدولة والسلطة، بات للفاسدين والمفسدين اليد الطولى في تقرير الأمور وفي التطاول على البلد ومقدراته، وهذا هو أحد معالم الانهيار اليوم المتمثل في ضعف السلطة المركزية واستشراء الفساد". وأوضح "هذا الفساد سيزداد ولن يتوقّف وهذا الانهيار سيؤدي الى المزيد من الأزمات الاجتماعية". وختم: "هناك ضرورة لاتفاق اللبنانيين حول إنقاذ الوضع ضمن حكومة انتقالية تكون على مسافة واحدة من الجميع".
من ناحيته، شرح عضو المجلس السياسي في حزب "الوطنيين الأحرار" فيليب معلوف أن "هذه الحكومة أتت نتيجة انقلاب عسكري ولن تغادر إلا بعد تغيير ظروف هذا الانقلاب العسكري وتنفيذاً لأوامر خارجية من النظامين السوري والإيراني".
وشدد على أن "هذه الحكومة لن تلتفت الى إرادة الشعب اللبناني ولو هاجمتها كل القيادات اللبنانية والشعب اللبناني، حيث إنه طالما معادلة السلاح قائمة ستبقى هذه الحكومة بقوة السلاح، ولن تخضع لإرادة الشعب اللبناني ولا للظروف الإقليمية والمعيشية". وأضاف: "هذا منطق السلاح وبالتالي المشكلة ليست بالحكومة فقط إنما بالسلاح الذي يقلب المعادلات السياسية داخل البلد".
إذاً ماذا ستكون نتيجة "الانقلاب" السلمي في وجه انقلاب السلاح؟ أجاب معلوف "لن يفيد. فالمطلوب تغييراً في المعادلة إقليمياً أو عالمياً، مما سيؤدي لوضع حدّ لفلتان السلاح داخلياً".