أقف على شاطئ المدينة أنتظر. أترقّب تلك البواخر في افق المحيط. نعيق صفّاراتها صوت عذب يدغدغ أحلامي. أسرح في الرؤيا. أشعر وكأني "ماريوس" بطل قصة مارسيل بانيول الشهيرة " ماريوس سيزار وفاني" أو "شريف" في الرواية الملبننة في مسلسل "المشوار الطويل" لشوشو وجورج شلهوب ومارسيل مارينا. "شريف" الذي يقف الى رصيف صيدا ينتظر باخرته لتقلّه الى العالم، ويضحّي بحب حياته "وردة" بعدما سحره نداء البحر.
أنا شريف أنتظر الوعد "الشريف" من أشرف شرفاء وزراء التيار العوني، جبران باسيل! ستقولون شو هالنقلة المزعجة بالافكار من الحلم الى واقع مهين، صحيح لكن يجب أن نشكر الحكومة، اذ توحي لنا بأفكار ثقافية عالية الجودة، كنا بدأنا نظن انها غابت كليا عن بالنا، ما يعني ان لوزير الطاقة حسنات لم نرها من قبل. هو يحرّضنا على الهروب مما نراه ونسمعه في وزارته المجنونة بالصفقات، فنلجأ الى كتاب أو مسلسل أو فيلم كي نهوّن الامور علينا.
وها نحن، مسلّحون بالخيال، نقف الى شطآن المدينة ننتظر نعيق بواخر الكهرباء التي وُعدنا بها منذ نحو السنة والنصف… ولم تصل البواخر بعد. تختخ الرجاء على ضوء السراج، هلهل السمع من زعيق الموتورات، فونس النظر من قنديل الكاز، سمعنا الكثير قرأنا أكثر عن تلك الصفقة المدوّية التي ستجلب النور شمساً الى بيوتنا، ولم نر لا شمساً ولا قمراً بعد! قرأنا وسمعنا عن مناقصة دير عمار، أين أصبحت تلك الصفقة التي كانت ستلغي الكهرباء- البقوسة من حياتنا (بحسب ما أعلنت الحكومة) وتُدخلنا قال في العالم المتمدّن الذي ينعم بـ 24 ساعة ضوء، تصوروا هذا الاختراع، ولم يحصل! أين الصفقة الموعودة؟ أين الشركة التي رست عليها المناقصة؟ أين الميناء التي سترسو فوقها بواخر الامل؟؟؟ لا أمل ولا خبر، والسفن لم ترسو على الميناء، وعيوننا من الانتظار صارت حزينة، وقلبنا على الكهرباء، وقلب الكهرباء ملف مظلم ينتظر مناقصة منقوصة مرمية في أدراج وزير، قلبه كما يده، على المال العام في وزارة الظلام المنير…
انتظار آخر جيّش فينا الخيال النائم، انما على مستوى الاتصالات هذه المرّة. للحقيقىة تأثّرنا، تأثّرنا كثيرا الى درجة الدمع، ونحن نراقب المشهد "الرومانسي" الذي دار بين وزير الاتصالات نقولا الصحناوي وقائده الاثير النائب ميشال عون! شعرت وكأنه "أنور أمين" الكاتب الشهير في مسلسل "حول غرفتي" الشهير(الممثل عبد المجيد مجذوب) وهو يخاطب حبيبته هند ( الممثلة الراحلة هند ابي اللمع) صاحبة الخيال الجامح التي تلتهم الكتب وتعيش تفاصيل أبطالها، وعند كل مكالمة بينها وحبيبها أنور يبادرها أو تبادره بـ "الو…حياتي؟". كان المشهد موفقا فعلا، اذ امتطى الوزير العوني المكلل أيضا بالصفقات والصفقات ولا اتصالات، امتطى أحد مراكز الهاتف العمومية التي كانت أصبحت ديكورا مزعجا في الطرق والاماكن العامة، وقرر ان تكون المحاولة "الغرامية" الاولى، من مطار رفيق الحريري الدولي وأمام الكاميرات، فاتصل بعون أولا وزفّ له عودة العمل ببطاقات كلام والتيليكارت للتخابر الدولي بعد تعطيل متعمّد لنحو السنتين، رفض في خلالها الصحناوي، تلزيم شركة اوجيرو لتلك البطاقات الحيوية، فقط لتنفيذ كيدية "رومانسية ناعمة" بحق المدير العام عبد المنعم يوسف، لمجرّد ان قائده في الرابية والقائد الاعلى الاعلى في الضاحية، يريدان ازاحته لتنصيب آخر من فريق "8 آذار"، فكان ان خسرت الخزينة مليارات الدولارات لفقدان هذه الخدمة الاساسية أمام أربعة مليون لبناني مستهلك!!!
وبعد نحو سنتين من الرفض المتواصل، قرر "معاليه" الموافقة على تلزيم اوجيرو بعدما عجز عن تلزيم شركة أخرى، لكنه استثمر النجاح الاعلامي لنفسه، كي يقال فعلها وزير الاتصالات القبضاي وأعاد الينا حرارة التواصل مع من نحب، فكانت الخطوة الاستعراضية الاولى من المطار، وكانت "الو… حياتي… الجنرال؟" ولا يهم ما تكبدته الخزينة من الخسائر ما دام لا أحد يحاسب، ولا من يراقب، ولا من يسأل أو يستفسر على الاقل، في حكومة كل مين إيدو الو، حيث الاسئلة والاجوبة والصفقات تدور بين أهل البيت الواحد، وكل شيء يمر ويُمرر ع اللبناني "بالاملية"…
يعنّ على بالي مقطع من اغنية لفيروز، "بالاخِر دايما في آخِر"، متى هذا الـ "الاخِر" لا نعلم لكنه آت لا محال. لكن مشكلة، قد يأتي والعمر يكون رحل، قد يأتي والدنيا أنقاض، قد يأتي ولا يجد من يستقبله معقول؟؟؟ كل شيء، كل شيء جائز مع حكومة مماثلة، مع وزراء ليسوا أكثر أبطال من ورق، عود كبريت، مجرّد عود كبريت قد يحرقهم جميعا، ويبقى من سيشعل تلك العود أولا؟….
