كتبت مرلين وهبه في صحيفة "الجمهورية":
عندما أراد الصحافي الفرنسي جورج مالبرونو استطلاع ما يجري في الداخل السوري، طلب مقابلة الشيخ بلال دقماق على رأس الشخصيات المعنية بالأحداث. ولعلّ الناشط السلفي قد اشتهر في أرجاء العالم كواحد من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل بموقفها ودورها ووظيفتها على الساحة الإسلامية.
عندما تتعرف إلى بلال دقماق عن كثب، تلاحظ أنّ سمات الغموض والطلاسم والألغاز لا تنطبق عليه، وخصوصا أن الرجل الأربعيني ارتبط اسمه بأحداث خطرة ووساطات كبيرة (فتح الاسلام، المجموعات الإسلامية في سوريا، المخطوفون اللبنانيون والايرانيون في سوريا وخبرته عن تنظيم القاعدة)، ذلك انه إنسان متواضع بسيط بتصرفاته متمسك باللباس الباكستاني الذي يتميز به السلفيون عادة. هو شخصية استثنائية بين الناشطين الإسلاميين في لبنان.
"على رغم إمكاناتي الضعيفة، فإنّ أنظار وسائل الإعلام تتجه الى العبد الفقير عند اول حدث يتعلق بأهل السنّة في لبنان والعالم العربي. وقد يكون هذا هو سبب الاشكالية بيني وبين الآخرين، إذ ربما يراني بعضهم منافساً لدوره". هكذا يعلّق دقماق في حديثه لـ"الجمهورية" على الإشكالية التي يثيرها دوره.
لعل دقماق من أبرز الطرابلسيين المتعصبين للمدينة بعدما ولد فيها وترعرع بين أزقتها. وبطبيعة الحال، فإن الحرب اثقلت وعيه السياسي، فتأثر باكراً بالشيخ سعيد شعبان وأحلام بناء الإمارة كسائر السلفيين الحالمين بحكم الشريعة.
يقول دقماق: "انتسبتُ الى حركة التوحيد الاسلامي وكنت أتابع خطب الشيخ سعيد شعبان يوم الجمعة، عندما كان يهاجم النظام السوري، فيما الجيش السوري يطوّق مسجد التوبة في طرابلس محاولاً اعتقاله، لكنه كان ينجح بالفرار، بعدما نسي شعبان ان شهرته السياسية قد بناها على حساب مهاجمته حافظ الأسد بعد ارتكابه مجزرة حماه!"
يتابع دقماق: "عام 1985 شاركت في معركة طرابلس، وكنت من حرس سعيد شعبان، وكان بعض ابنائه يقاتلون الجيش السوري، وهم اليوم لايتجرأون على القول إن هذا النظام مجرم، بل هم من أزلامه وأزلام النظام الفارسي في ايران!"
عام 1986 انتقل دقماق إلى التيار السلفي، حيث تعرف إلى الشيخ داعي الإسلام الشهال في أثناء قتال الجيش السوري، لكنّ الشهال سرعان ما سافر تحت ضغط الأجهزة الأمنية السورية لأنه كان يتزعم تنظيماً عسكرياً ويطلق عليه نواة الجيش الإسلامي. وعن طريق الشهال تعرف دقماق الى الشيخ العلامة أسامة القصاص الذي قتله الاحباش.
يشغل دقماق حالياً منصب رئيس جمعية "اقرأ" للتنمية الاجتماعية وامين سر وقف "اقرأ" الإسلامي اللتين انضم اليهما سابقاً الشيخ عمر بكري فستق، ثم اقيل منهما بسبب مواقفه الغامضة المنافية لمنهج السلف. لكن دقماق كان يعتبره صديقاً جيداً قبل انقلاب بكري على المنهج واعتذاره إلى الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله.
تتشعب علاقات دقماق خارج لبنان، من هنا كان له دور بارز في متابعة ملف المخطوفين اللبنانيين في أعزاز، كما نجح مع أقرانه في الثورة السورية باطلاق مخطوفين إيرانيين داخل سوريا لمصلحة الثورة السورية، وهو الأن مشغول بملفات عدة…
هذا التشابك في البعد الإقليمي، يزيد عليه دقماق عوامل الغيرة والمنافسة في البعد اللبناني، فهو صديق الجميع، لكنه يختلف مع الجميع تقريباً فتجده في ملف "فتح الإسلام" صديقاً للمسؤول العسكري للتنظيم "أبو هريرة"، وفي الوقت نفسه الوسيط الموثوق عند المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي الذي تربطه به علاقة قوية وشخصية، فيقول: "هو صديق قديم، محترم حتى من خصومه، والعلاقة التي بيننا قوية وقديمة. لريفي الكثير من أفعال الخير والبصمات الطيبة من تحت الطاولة ولا نستطيع إنكارها له"، ويعتقد انه رجل المرحلة في رئاسة الحكومة.
يستعرض بلال دقماق التعقيدات السياسية في لبنان، ويعتبر أنها تفضي الى استنتاجات قد تكون متفاوتة وفق الظروف العامة. فهو على عداء مستحكم مع ابناء الشيخ سعيد شعبان، وقد طالبهم بالرحيل من مدينة طرابلس إن استمروا بدعم نظام الأسد. كما يطلب من الشيخ سالم الرافعي إعادة حساباته.
يقول عن تيار "المستقبل" إنه تيار علماني يختلف معه في كثير من المقاربات السياسية نتيجة علمانيته وذهنية بعض كوادره، ويحترم طيبة سعد الحريري وشخصيته. ولا يبدو على تواصل تام مع الجماعة الإسلامية "فهناك تباين معها في المنهج".
بعيداً عن الساحة اللبنانية، تبدو آراء دقماق صادمة بعض الشيء، حين يقول لـ"الجمهورية" من دون حرج: "أنا اتفق مع فكر تنظيم "القاعدة" في أمور واختلف معهم في امور اخرى. أؤيد قتال اليهود ومحاربة المحتل وقتال من يعتدي على أهل السنّة. واختلف معهم بعمليات نفذوها داخل المملكة العربية السعودية وفي اليمن والجزائر ومصر."
ينهي دقماق حديثه بالإشارة الى عدم وجود مجموعات لتنظيم "القاعدة" في لبنان، بل هناك اناس يحملون أفكار هذا التنظيم. ولو كان هناك مجموعات له لما استطاع السيد نصر الله ان يخرج من القبو.
ويؤكّد دقماق اهمية التفاف المسلمين في هذه الظروف الدقيقة حول المملكة العربية السعودية وأهمية المملكة، وانها هي رأس المسلمين وان اختلفنا معها في بعض الأمور، فالظروف تحتّم علينا درايتها وتقويتها، وهي عليها ان تقف خلفنا وتدعمنا، إذ اننا امتداد طبيعي لها وهي من تدعم لبنان ووحدته واستقلاله.
ويحذر دقماق من الفتن الباطنية التي تقودها ايران في البحرين والكويت ولبنان، ومن حربها على السنّة مع النظام "النصيري" في سوريا، كما يسميه دقماق.
أما عن الوجود المسيحي في الشرق، فيؤكد انهم جيراننا منذ 1450 عاماً وحافظ الإسلام عليهم، وعندهم بعض السياسيين في لبنان يحافظون على مصالحهم وبعضهم الآخر أصبح ألعوبة في يد إيران بعد توقيعه وثيقة تفاهم مع "حزب الله"، واصبح يتلقى الدعم والأوامر من الآيات في طهران.