ما كادَ الرئيس المصري محمد مرسي يبلي بلاء حسناً في معالجة قضية غزّة، مسهماً في تقصير أمد العدوان الاسرائيلي عليها، حتى ابتلت مصر بإعلان "دستوريّ" رئاسيّ مغامر، أدّى فوراً الى اظهار شرخ أهليّ هائل وخطير في المجتمع، والى توليد حالة غضب شعبيّ عارم ضد الإعلان، وضد الرئيس، وضدّ ما يسميه المصريّون "حكم الإخوان". ومرسي، الذي أجاد البراغماتية، لغة ومسلكاً، حيال غزة – بخلاف شعبوية رجب طيب أردوغان، ما زال يفضّل المكابرة حيال هذا الإنقسام الأهليّ الخطير، وهذا الغضب الشعبيّ العارم، وبدلاً من أن يظهره الإعلان التسلطيّ نفسه كـ"رئيس فوق الجميع" وكمشروع "رئيس قويّ"، كان أن أظهره رئيساً حزبياً بامتياز، في كنف "مرشد الجماعة"، وضعيفاً في أدائه وانفعاليته، رغم كل ما يظهره من عناد حتى الآن في موضوع اعلانه "الدستوريّ".
ولئن مثّل هذا الإعلان اعتداء صارخ على مبدأ الفصل بين السلطات الدستورية، وبالذات استقلالية السلطة القضائية التي نجحت في الحفاظ على حيثيتها حتى في عزّ "جبروت" (أو "طاغوت") عبد الناصر والسادات ومبارك، فإنّه جاء ليفجّر نقمة يبدو أنها تراكمت بسرعة ضدّ "حكم الإخوان" في الأشهر الماضية، وهي نقمة عزّزت خوفاً واسع النطاق من أن الإخوان في صدد احلال هيمنة سلطوية على المجتمع والدولة، باتجاه تغيير جذريّ في معالم مصر كي يعاد صياغتها على صورة "الجماعة" ومثالها.
مع ذلك، لا بدّ من الاحتراس من النظرة التسطيحية للوعي. اذ ليس سليماً ابداً القول بأن مرسي والاخوان كانوا في صدد "الانقلاب على الديموقراطية" منذ الفوز بالانتخابات الرئاسية. فأصل المشكلة في نهاية الأمر أنّ الرئيس منتخب من دون مرجعية دستورية واضحة تفصل بينه وبين المؤسسات الدستورية الأخرى، بل من دون سلطة تشريعية تمثيلية بعد أن دبّر العسكر حلّ مجلس الشعب التأسيسيّ. ولما كان قادة المرحلة الانتقالية من العسكر قد أطيحوا بعد قليل من وصول مرسي للرئاسة، دخلت مصر في وضعية خطيرة تغري بـ"الاستئثار" عندما تتراكم المشكلات، الا ان الاستئثار بقصد الهروب الى الأمام لا يلبث ان يصطدم باستفحال الأزمة أكثر فأكثر، وصولاً الى هذا الشقاق الأهليّ الخطير، وهذا الغضب الشعبيّ العارم.
من الصعب جداً تصوّر كيف يمكن لهذا الاعلان "الدستوريّ" أن يمرّ. من الصعب أيضاً تصوّر كيف سيخرج مرسي من عناده. مع ذلك، فالرجاء في تسوية "تهدوية" تلغي الاعلان بشكل أو بآخر وتمهّد لانتخابات مجلس تأسيسيّ، هو رجاء واقعيّ، وربيعيّ بامتياز.
فأهمّ التحديات على جدول أعمال الربيع العربي اليوم هو "التأطير الدستوري" للخلاف بين الاسلاميين من جهة وبين غير الاسلاميين من جهة ثانية. وهذا التأطير الدستوريّ لا بدّ ان يلحظ انّ معظم الاسلاميين العرب صار يسلّم بكتابة الدساتير، واذا كان يحاول ان يلزم الدساتير بـ"أسس الشريعة" أو "أحكامها" أو بأي صيغة أخرى، فالمفارقة انه صار يريد ان يحمي الشريعة الالهية بقانون وضعيّ، وهذه مفارقة تعني في نهاية الأمر بداية تقبل الاطار الدستوريّ.
كذلك، ففروع المدرسة الاخوانية العربية، لا تزال بعيدة عن تقبّل أسس الديموقراطية بالشكل الذي اندرج فيه الاسلاميون الاتراك، الا انه ليس صحيحاً ابداً تشبيه الاخوان بأصحاب المشاريع التوتاليتارية والفاشية. التأطير الدستوري للعلاقة مع الاخوان يحتاج الى جهود مريرة، والى اقصى اجادة للسياسة في مقابلهم، لكنه التحدي الأساسي اليوم.
ما يجري اذاً هو في عمق الربيع العربي.
وما جرى البارحة بالتحديد من غضب هادر ضد مرسي في التحرير هو يوم صحيّ بامتياز في هذا الربيع، يوم كفيل بإخراس منطق الممانعين الأسديين الذين حاولوا ان يضعونا في الايام الماضية بين خيارين، "ظلامية الاخوان، وتنويرية البعث". لا، الاخوان ليسوا فاشيين. النضال جار في مصر وسواها لتأطير الخلاف معهم دستورياً، ووطنياً .. أمّا "البعث العربي الاشتراكي" فحسابه عسير، ويبدو انه حساب يقترب، على ما يظهره التقدّم النوعي لمقاتلي "الجيش السوري الحرّ".