الجلسة الخامسة عشرة لطاولة الحوار الوطني مجهولة المصير.. لكن الجدل ليس في انعقادها أو إلغائها، وانما في حوار مجد فوق الطاولة يناقش عنوان السلاح الذي من أجله وجدت وعقدت، لا حوار تحت الطاولة الذي لا يأتي على ذكره. بداية لا بدّ من التسليم بأن قوى 14 آذار ليست من تعطّل الحوار لكنّها تعارضه من موقعها كمعارضة وطنية بعدما اعتمدت أحزابها سياسة مدّ اليد. كما أنه من المفيد التذكير بأن قوى 8 آذار كانت السبّاقة في تعطيل انعقاد الطاولة في 4 تشرين الثاني 2010 على أثر الخلاف الذي نشب بينها وبين رئيس الحكومة آنذاك سعد الحريري.. طيّرت قوى 8 آذار حينها الجلسة، فهل سيطيّر استكبار قوى 8 آذار الجلسة رقم 15 بعد الجلسة رقم 11؟
في ثنائية العيش يرتضي كل فريق أن يتنازل للآخر عن بعض من "استعلائه".. لكن في المشهد اللبناني، كسرت قوى 8 آذار يد قوى 14 آذار الممدودة منذ ما بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الى أن اعلنت قوى 14 آذار مقاطعة كليّة على أثر اغتيال اللواء الشهيد وسام الحسن في 19 تشرين الأول الماضي.. حكومة السلاح لم تتنحَّ: رئيسها لم يعترف يوما بأي فجوة تخترق حكومته.. بالنسبة إليه السلاح ليس معرقلا، والدواء الفاسد لا يميت، والمخدرات المهرّبة لا تحمل على الإدمان، والطعام الفاسد لا يسمّم.. أما بالنسبة الى من أتوا به الى الحكومة فطائرة "أيوب" لا تستجدي حربا مع إسرائيل، وهي ليست خرقا للدستور الذي يشرعن حمل السلاح للدولة فقط.. فيما يشكّل بعض الشركاء في هذه الحكومة أبواقا لحزب السلاح.. إذاً البلد بألف خير واللبنانيون يعومون على المال والبترول.. وليكن النقاش على طاولة الحوار حول أحوال الطقس والهوايات المفضّلة..
فقتل الأبرياء، وانتشار السلاح خارج إطار الدولة، وإطلاق طائرات الإستطلاع في سماء العدوّ، ولغة التهديد والوعيد التي تستخدمها قوى 8 آذار يوميا كلّها لا تعتبر استعلاءً. ووضع الشروط المسبقة وإعلان النوايا الصريحة ليست كذلك أسبابا محقّة لمقاطعة الحوار. من 12 تشرين الحالي الى 29 منه، أي غداً، أسباب مقاطعة الحوار لم تتغيّر.. فالحكومة لم تتنحّ ولم تتشكل حكومة حيادية، كما أن السلاح ما زال يفرض نفسه بالكلام حينا وبمحاولة بث الفتنة حينا آخر.
فما الجدوى إذاً من أن تجالس قوى 14 آذار خصمها الذي يدافع عن نظام الاستكبار والقمع الديكتاتوري ضد المستضعفين من أمهات واطفال وشيوخ في سوريا؟ وما الجدوى من محاورة الطرشان الذين لا تتلذذ آذانهم سوى بسماع دوي المتفجرات وأزيز الرصاص؟ وما نفع حوار لا يحضره الأمين العام للحزب المعني، والذي من أجله وضعت طاولة الحوار لدواع أمنية، علما أن وحدها قيادات قوى 14 آذار هي المستهدفة؟ وما الهدف من محاورة حزب يستعيض عن القرار الفردي والحرّ بسلاح سوري- إيراني يحتجز إرادته وقراره؟ وكيف يكون الحوار مثمرا مع حكومة قطّاع الطرق، فيها وزير للطاقة متخصص في قيادة عمليات إشعال الدواليب وأحزاب ممانعة علّمت الناس قطع الطرق وإشعال الدواليب؟
في حضور قوى 14 آذار أو في غيابها، لغة التهديد والوعيد والإستكبار والتحدي المسلّح لن تتبدّل.. غير أن غياب هذه القوى يشفي غليل اللبنانيين الذين عانوا استكبار السلاح ويزيدهم مطالبة بترجمة مقررات طاولة بعبدا على أرض الواقع.. قوى 14 آذار تمتلك الحلّ الذي يحفظ كرامة لبنان ويستعلي عن المناظرات وهو بحسب المثل "آخر دوا الكيّ" وهذا الدواء هو المقاطعة..
يرى عضو كتلة "المستقبل" النائب محمد قباني أن "موضوع الحكومة اليوم له الأولوية على كل ما عداه، وبالتالي نعتقد ان هذا الأمر يجب التوافق عليه قبل أن ينشأ أي حوار بغض النظر عما إذا كان الحوار قد دعيَ إليه مسبقا". ويتابع "تبيّن أن الأمور التي كان اتّفق عليها في السابق لم تنفّذ.. فهل ندخل في حوار في ظل حكومة نعتبر أنها حكومة اللون الواحد بعدما صار الخلل في البلد كبيرا وهو مزيج من خلل سياسي نتيجة حكومة اللون الواحد وخلل أمني بعد اغتيال اللواء الشهيد وسام الحسن؟".
ويشدّد قباني على أن "هذا الأمر لا يمكن أن يستمر لأن الأولوية بالنسبة إلينا هي استقالة الحكومة للتغيير وبعد ذلك يصبح الحوار ممكنا"، ويختم "لكن هذا يرتّب تفاهما حول تنفيذ ما يتّفق عليه على طاولة الحوار حتى لا يكون الحوار مضيعة للوقت في ظل تصرف فريق قوى 8 آذار الذي يصرّ على بقاء حكومة اللون الواحد والفريق الواحد والتي أتت نتيجة انقلاب القمصان السود".
من جهته، يؤكد عضو كتلة "القوات اللبنانية" فادي كرم أن "المقاطعة ليست آخر خرطوشة، بل هي واحدة من الأساليب الديموقراطية والسلمية وحقّنا أن نستخدمها بطريقة باتت تزعج الفريق الآخر"، ورأى "أن هذا الفريق، وإن قال ان مقاطعتنا لا تؤثر فيه، لكن المعروف والواضح أنه فشل في كل ملفاته ومواقفنا هي التي فضحت فشلهم".
ويضيف كرم "أن قوى 14 آذار لا تشك في نوايا رئيس الجمهورية ومحاولاته لإيجاد قاسم مشترك بين الجميع. وبالمقابل نعمل معا لتسهيل كل خطواته ولكن في كل مرة تُطرح فكرة أو موضوع نفضّل أن نتناقش فيها لأننا أصبحنا في مرحلة لا يمكن أن نتساهل فيها خصوصا وأن الأمور بلغت حدّ الإغتيالات". ويختم "نحن في وضع لم يعد بإمكاننا التساهل ومن الضروري أن يسبق الجلوس الى طاولة الحوار تفاهمات على الصعيد الوطني".