إن الخطف جريمة، نعم إن الخطف جريمة وهو واحد من مؤشرات انهيار وانحلال الدولة، سواء حصل في السلم أم في الحرب، وسواء أكان جماعياً أم فردياً. وقد وثق ذلك في مراجع وقوانين، تتضمنها قوانين العقوبات في دول العالم كلها، حتى الأكثر تخلفا منها.
حتى في لبنان فقد نصت المادة 569 من قانون العقوبات: "على معاقبة من يحرم أي إنسان حريته الشخصية، وبأي وسيلة كانت، بالأشغال الشاقة الموقتة. ويرفع القانون العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، في حالات عدة، وهي أولاً: إذا استمرت فترة حرمان الحرية أكثر من شهر؛ ثانياً: إذا حصل تعذيب جسدي أو معنوي؛ ثالثا: إذا كانت دوافع الجريمة طائفية أو حزبية أو ثأراً من المخطوف، لفعل ارتكبه غيره من طائفته أو محازبيه أو أقاربه؛ رابعاً: إذا استُعمل المخطوف كرهينة للتهويل على الأفراد أو المؤسسات أو الدولة، بغية ابتزاز المال أو الإكراه على تنفيذ رغبة أو الامتناع عن عمل ما؛ خامسا: إذا ارتكب الجرم شخصان أو أكثر كانوا لدى ارتكابه مسلحين." وقد جرى تعديل المادة 569 من قانون العقوبات في العام 1983، أي إبان الحرب الأهلية، نظراً لاستمرار عمليات الخطف في حينها، فرفعت العقوبة إلى المؤبد.
في القوانين الدولية، يعتبر الخطف جريمة في "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، وقد وقّع لبنان عليه. واعتمدت "الأمم المتحدة" في العام 1979 اتفاقية كاملة خصصت لموضوع أخذ الرهائن، تطبق في السلم والحرب.
مع ذلك، ها نحن نعيش، من جديد، ما دون مستوى القوانين والمواثيق، تسود الاستباحة الكاملة حياة المواطن، حتى أصبحت المعادلة السائدة الآن: يمكن لأي مواطن خطف أي مواطن آخر، لا يعجبه أمر ما فيه.
أليست الدولة المسؤولة عن توفير المناخ الملائم للاستقرار؟ إن الأجهزة الأمنية من جيش وقوى أمن داخلي أثبتت أنها قادرة على تحمل المسؤولية وإن الإنجازات النوعية التي حققوها بإلقاء القبض على عدد من المتورطين من الذين أقدموا على اختطاف مواطنين سوريين وأتراك في الفترة الماضية خير مثال على ذلك.
العجز ليس عجزاً في المؤسسات العسكرية أو الأمنية كما يحاول بعضهم أن يصور، بل هو عجز المسؤولين، عجز الدولة. هناك فشل ذريع… نعم هناك فشل ذريع من قبل الحكومة… يتكلمون عن رفع الغطاء، عن أي غطاء يتحدثون؟ ذلك يعني أنه كان هناك غطاء موجود للخطف، ورفع الغطاء، ألا يجب أن يتلازم ذلك مع تفويض واضح للمؤسسات العسكرية والأمنية؟ ألا يتطلب المنطق أن يكون هناك اجتماعا للحكومة حتى تأخذ قرارا على أعلى مستوى لتفويض المؤسسات العسكرية لوضع حد لظاهرة الخطف؟
إن ما يحصل هو واحد من مؤشرات انهيار الدولة، لأن أي خاطف لا يمارس فعلته، لو لم يكن على ثقة بأنه لا يوجد من هو قادر على ملاحقته ومحاسبته. وإن ما يحصل يضرب هيبة الدولة والاستقرار الأمني في الصميم.
إن ظاهرة الخطف في لبنان أصبحت خطيرة وخطيرة جداً وإن الحالة التي وصل لبنان إليها في هذا الإطار اكبر دليل على انحلال الدولة.