#dfp #adsense

مشاهد وانطباعات من غزة: فقر وحفاوة في استقبال 14 آذار

حجم الخط

مشاهد وانطباعات من غزة: فقر وحفاوة في استقبال 14 آذار
توتر في الطريق و"حماس" تشبه "حزب الله" وتختلف

الطائرة المستأجرة من شركة "إيجبشن إير دوت كوم" التي أقلت وفد قوى 14 آذار أطلت قبل ظهر الثلثاء من فوق البحر المتوسط على العريش. كان الطقس صافيا والمدينة صحراوية في طرف سيناء تتخللها بقع خضراء. بدا وصولنا غريباً فمصر مثل لبنان هذه الأيام لا تستقبل سياحاً وهي محرومة مداخيل ثمينة كانوا يوفرونها للاقتصاد المرهق أصلاً. هذا موسم النزوح السوري إلى لبنان وانفتاح 14 آذار على قضايا العرب، وموسم اضطرابات في مصر.

كل شيء بدا منظما مسبقاً من لحظة الوصول إلى المطار حيث انضم النائب طوني زهرا إلى زميليه النائبين جمال الجراح وأمين وهبي بعد رحلة برية مرهقة من القاهرة التي وصل إليها من روما. ورافقت مصفحة في المقدمة ومصفحة في الخلف الوفد الذي أقلته إلى معبر رفح حافلتان صغيرتان وبلغ عدد أعضائه 14 مع الصحافيين والإعلاميين والمنظمين. الطريق شبه صحراوي لكن بساتين زيتون تتجمع عليه وتتفرق، وهو يمتد 45 كيلومتراً، مسافة ساعة تقريبا حتى المعبر. تدرك أن الوضع الأمني في سيناء ذلك النهاراستثنائي: من علامات التوتر على وجوه جنود الجيش وعناصر الشرطة المتجولين بكثافة في آلياتهم أو المحدقين في ما حولهم خلف متاريس وأسلاك شائكة وعلى الحواجز المتلاحقة. مشاهد رجال الأمن الذين يتنقلون بثياب مدنية وشاحنات صغيرة وسيارات عادية تذكّر بحرب لبنان في بدايتها.

حاجتان فلسطينية و14 آذارية

المعبر في رفح معبران، مصري وفلسطيني، "حمساوي" تحديداً. الزحمة شديدة على الجانب المصري. باعة وسيارات إجرة معظمها "مرسيدس" و"بيجو" وناس متعبون يحمل بعضهم غالونات بنزين إلى القطاع. جميع الموظفين ورجال الأمن في الجانب الفلسطيني يطلقون لحاهم، والأختام على الجوازات تحمل عبارة "السلطة الفلسطينية- معبر رفح". في صالون الشرف استقبل النائبان من "حماس" سيد أبو مسامح ويونس أبو دقة الوفد اللبناني بترحيب وحفاوة، ورد النائب الجراح بكلمة. الإنطباع الأولي ستعززه اللقاءات التالية: إن حكومة "حماس" عانت عزلة مديدة وتبهجها زيارة وفود برلمانية من دول عربية لها لإبداء التضامن مع غزة. أما قوى 14 آذار فلا يضرها في شيء أن تخرج من محلياتها اللبنانية لتوجه رسالة إلى "حزب الله" أن قضية الفلسطينيين ليست حكراً على إيران، وأن "حماس" حليفته السابقة ضده في سوريا وفي سلوكه مع بقية اللبنانيين.

المسافة من رفح إلى غزة 35 كيلومتراً تبدأ بعبارة لافتة "أهلاً بكم في فلسطين". يعرج الوفد على حطام مبانٍ دمرها القصف الجوي والبحري الإسرائيلي. مبان ومجمعات رسمية محددة أصبحت ركاماً وليس أحياء بكاملها، خلافاً لصور ومشاهد تنقلها الشاشات والوكالات من حلب أو حمص، أو لمشهد الضاحية الجنوبية لبيروت وبنت جبيل وغيرهما بعد حرب 2006. أحيانا كان الإسرائيليون يتصلون بسكان مبنى ينوون قصفه في غزة ويطلبون منهم مغادرته.

وزير خارجية بارع لجعجع

في الطريق إلى المجلس التشريعي الفلسطيني تلفت ملصقات ضخمة تحيي كتلة "التغيير والإصلاح"، كتلة "حماس" النيابية. في المجلس استقبل الوفد نائب رئيسه أحمد البحر وعدد من النواب ورؤساء الكتل الوفد اللبناني. كلمات ترحيب، وود من الجانبين. النائب الجراح يظهر بوضوح أنه يعرف التحدث إلى المضيفين بـ"لغتهم" في كل لقاءات الوفد ولاقى استحسانا ترجمته التحيات الحارة إلى الرئيس سعد الحريري والدكتور سمير جعجع والرئيس فؤاد السنيورة وعموم 14 آذار.

النائب أنطوان زهرا جذب انتباه مضيفيه بصراحته في عرض التضامن مع قضية فلسطين من وجهة نظر "القوات اللبنانية". أثبت ابن كفيفان الذي انتقل من الكتائب إلى رفقة سمير جعجع في السلاح ثم في حزب القوات أنه وزير خارجية بارع في التعامل، خصوصا مع العرب والمسلمين المتدينين وغير المتدينين، محنك يعرف أن يسوّق للمادة السياسية المؤتمن عليها ويحمل إلى معراب تحيات رئيس حكومة "حماس" على سبيل المثال. من كان ليقول؟
النائب أمين وهبة عرض في حضرة المسؤولين الفلسطينيين من "حماس" أهمية المرحلة التي وصلت إليها القضية ونظرة اللبنانيين إليها. ولعل تشديد الثلاثة على الوحدة الفلسطينية، بين "فتح" و"حماس" حدت نائب رئيس المجلس التشريعي البحر إلى التمني بدوره أن تتوحد قوى 8 و14 آذار في لبنان.

هنية ومثال "حزب الله"

يتميز رئيس حكومة "حماس" في غزة اسماعيل هنية ببساطة لياقة ولطف شديدين. الإبتسامة لم تفارق وجهه وهو يخبر عن سنتين أمضاهما في مرج الزهور بلبنان. يوحي الرجل الذي استقبل وفد 14 آذار في منزله بمخيم الشاطئ أنه يفرد مكانا للمنطق والحسابات السياسية أوسع من رفاقه الذين يكثرون الخلط ما بين الدعوة الدينية وقيادة المرحلة الحساسة هذه من تاريخ الصراع على فلسطين على أبواب احتلالها مكاناً بين الدول في الأمم المتحدة.
على العموم تشبه "حماس" "حزب الله" في الكثير من النواحي، من ثياب عناصر أمنها وجيشها حتى اعتقادها الراسخ بأن المعركة الأخيرة التي خاضتها انتهت بانتصار إلهي على العدو لا بد من أن يستكمل يوما ما بانتصار كامل ونهائي. بالأحرى يشكل "حزب الله" مثالاً أعلى لها ولا يخفي أحد الذين التقاهم الوفد أن شبانا من غزة تدربوا على صنع الصواريخ وإطلاقها في لبنان وإيران، كما أن اختصاصيين من "حزب الله" دربوهم على ذلك في غزة.
لكن "حماس" و"حزب الله" يحلمان الحلم نفسه من زاويتين مختلفتين، إحداهما شيعية والأخرى سنية، مما يجعل سبل تحقيقه مختلفة. طريق الحزب تمر عبر طهران ودمشق وطريق الحركة تمر عبر الدوحة والقاهرة ودمشق ما بعد نظام بشار الأسد.

المصدر:
النهار

خبر عاجل