تهبّ مجدّداً رياح التمديد على المجلس النيابي، الذي لم يذق بعد طعم هذا الخيار على غرار ما حصل مع رئيسي الجمهورية السابقين الياس الهراوي وإميل لحود، وإن كان مجلس العام 1972 قد مدّد لنفسه حتى انتخابات العام 1992، والتي كانت الأولى بعد الحرب اللبنانية واتفاق الطائف.
وفي هذا السياق، تكشف معلومات سياسية مواكبة للتطورات، أن الأجواء الراهنة تؤشر، على رغم النفي من هنا ومن هناك، إلى إن الانتخابات النيابية ستُجرى في موعدها الدستوري، ولن يكون هناك أي تمديد. لكن الوقائع تؤشّر إلى جملة معطيات تصبّ في خانة التمديد، وخصوصاً أن قانون الانتخاب لم يُنجز بعد، والخلاف كبير بين المعارضة والأكثرية على معاودة اعتماد قانون 1960، في الوقت الذي يردّد النائب وليد جنبلاط أمام الحلقة الضيقة المحيطة به أن هذا الخيار قد حُسم لمصلحة اعتماد هذا القانون، والأمر عينه بالنسبة إلى بعض القيادات السياسية، وبالتالي فإن الأمور التقنية واللوجستية يلزمها وقت طويل (نحو ثمانية أشهر) للإعداد والتحضير لهذا الاستحقاق، وإلى الآن لم يصر إلى هذا المعطى الأساسي لإجراء الانتخابات، وربما هنا يكون وزير الداخلية مروان شربل تحدّث عن التمديد ليصحّح له رئيس الجمهورية ميشال سليمان لاحقاً أنه قصد التمديد التقني، وليس التمديد للمجلس النيابي لفترة محدّدة، بمعنى أنّ وزارة الداخلية يلزمها وقت للإعداد والتحضير، وهذا ما أشار إليه شربل، إذ اعتبر بعضهم أن خيار التمديد للمجلس النيابي بات على الأبواب، إضافة لذلك، وهنا الأبرز والأهم، فيتمثّل بالتطوّرات الإقليمية، وخصوصاً الأحداث الحاصلة في سوريا، والتي لها تداعياتها على الداخل اللبناني بنحو كبير، ومن ضمنها استحقاقاته السياسية والاقتصادية والانتخابية.
وبعبارة أخرى، يُرتقب وفق المحلّلين والمواكبين للشأن السوري، أن تتفاعل وتيرة العمليات العسكرية، وخصوصاً داخل العاصمة دمشق، وأن تحدث تطورات في الربيع المقبل من خلال اللعبة المفتوحة في سوريا، وعندئذٍ ستتأزّم الأوضاع في الداخل اللبناني، في ظل انقسام داخلي على خلفية الحدث السوري، إلى ازدياد عدد النازحين السوريين في اتجاه لبنان، ما يعني أن ثمة صعوبة في إجراء الانتخابات في مواعيدها الدستورية. ولكنّ الأمر غير الواضح هو كيف سيكون مخرج التمديد في حال حصوله بآلية دستورية من خلال رئيس الجمهورية ويجتمع المجلس النيابي ليمدّد لنفسه، أو صدور بيان من وزارة الداخلية تشرح فيه العوائق التقنية واللوجستية التي تتطلّب بعض الوقت لإنجازها، بمعنى إعطاء مهلة ستة أشهر إضافية أو أكثر، وخصوصاً في ظل الحديث عن تمديد تقني لستة أشهر، أو سياسي لسنة أو أكثر، إلى أن تتضح الصورة في سوريا وحصول تقارب سياسي لبناني داخلي، لأن ذلك عامل إضافي أيضاً للتمديد، إذ هنالك انقسام عمودي بين الأفرقاء اللبنانيين، وحصول انتخابات وسط هذا الانقسام ستكون عواقبه وخيمة على المستويين الأمني والمذهبي.
وأمام هذه الوقائع باتت كل الخيارات مطروحة، وخصوصاً أن توقّف الحوار وتأجيل جلساته قد يمتد طويلاً ما يعقّد أكثر حصول الانتخابات في موعدها، لأن توقف الحوار وانعكاسه على المجلس النيابي، وغياب مناقشات قانون الانتخاب هو معطى آخر يقارب التمديد، وهنا أصبحت الأوضاع مأزومة إلى درجة بات معها خيار التمديد مطلباً لجميع القوى السياسية في 8 و14 آذار. فالمعارضة تريد حصول الانتخابات في موعدها لأن تجربة الانتخابات النقابية والجامعية صبّت في مصلحتها، ومن شأنها أن تنعكس إيجاباً لديها في الانتخابات النيابية، لكن قوى 14 آذار تواجه صعوبة في النزول إلى الأرض والتفاعل مع جمهورها والاستعداد لهذا الاستحقاق لدواع أمنية، وفي ضوء التحذيرات من اغتيالات سياسية. في حين أن لدى فريق الأكثرية "رغبة واضحة" في التأجيل والتمديد، في اعتبار أنه يدرك صعوبة إجراء الانتخابات على أساس النظام النسبي أو لبنان الدائرة الانتخابية الواحدة، وحتى على أساس المشروع الأرثوذكسي، إلى تدني مستوى شعبيته، وخصوصاً شعبية "التيار العوني". وبالتالي، فإن الأزمة السورية وتهاوي النظام السوري بدوره يشكّل منحىً سلبياً لهذا الفريق، ما يجعله يرغب في التمديد، أو أقله لا يعارضه، بينما يبقى رئيس الجمهورية من أكثر المتمسّكين بالمواعيد الدستورية، وهو الذي حسم أنه لن يقبل أن يمدّد لنفسه يوماً واحداً. لكنّ المعطيات المتسارعة إقليمياً وداخلياً قد تجبر بعضهم على قبول خيار التمديد.