الخميس بعد أحد بشارة العذراء
قراءَةٌ منْ مارِ أَفرامَ السُّريانيّ (+373) أَناشيدُ الميلاد (الأَم البتول واﮕبن العجيب، 1-7)
أُمُّكَ ربَّنَا لا يعرفُ أَحدٌ كيفَ يدعُوها. أَيدعُوها بتولًا؟ ها ٱبنُها حاضر. أَيدعُوها متزوِّجَة؟ لم يعرفْهَا رجل. وإِذا كانَتْ أُمُّك لا تُدرَك، فأَنتَ من يُدرِكُكَ؟
لكَ التَّسبيحُ يا من يسهُلُ لديهِ الكُلّ، كربِّ الكُلّ.
إِنَّها أُمُّكَ هي وحدَها. وإِنَّها أُختُكَ معَ الجميع. صارتْ لكَ أُمًّا، صارتْ لكَ أُختًا، وإِنَّها خطِّيبَتُكَ معَ العفيفَات. بكلِّ شيءٍ زيَّنتَها، يا جمالَ أُمِّهِ.
كانتْ مخطوبةً حسبَ الطِّبيعةِ قبلَ مجيئِكَ. وصارتْ حاملًا بخلافِ الطَّبيعة، بعد مجيئِكَ أَيُّها القدُّوس. ومكثَتْ بتولًا، إِذ ولدَتْكَ بٱلقداسَة.
عجبٌ هي أُمُّكَ. دخلَهَا سيِّدًا فصارَ عبدًا دخلَ ناطقًا فصمتَ بداخِلِهَا. دخلَهَا رعدًا فسكنَ صوتُهُ.
دخلَ راعي الكُلِّ فصارَ فيها حملًا. خرجَ وهو يثغُو.
قلبَ الأَنظمَةَ حشَا أُمِّكَ، يا منظِّمَ الكُلّ. دخلَ غنيًّا، فخرجَ فقيرًا. دخلَهَا ساميًا، فخرجَ متواضعًا.
دخلَهَا بهاءً، فخرجَ لابسًا لونًا حقيرًا.
الرّسالة: غل 4: 1-7
البنوّة الإلٰهيّة
1 وأقول: إنّ الوارثَ، ما دامَ قاصرًا، لا يختلفُ عن العبدِ بشيء، مع أنّه سيّدٌ على كلّ شيء.
2 لٰكنّهُ يبقى تحتَ الأوصياءِ والوكلاء، إلى الوقتِ الّذي حدّدهُ الأب.
3 وهٰكذا نحنُ أيضًا: لمّا كنّا قاصرين، كنّا مستعبدينَ تحتَ أركانِ العالم.
4 ولٰكن، لمّا بلغَ ملءُ الزّمان، أرسلَ الله ٱبنهُ مولودًا من ٱمرأة، مولودًا في حكمِ الشّريعة،
5 لكي يفتديَ الّذينَ هم في حكمِ الشّريعة، حتّى ننالَ البُنوّة.
6 والدّليلُ على أنّكم أبناء، هوَ أنّ الله أرسلَ إلى قلوبنا روحَ ٱبنهِ صارخًا: "أبَّا، أيّها الآب!".
7 فأنتَ إذًا لم تعد عبدًا، بل أنتَ ٱبنٌ، وإذا كنتَ ٱبنًا، فأنتَ أيضًا وارثٌ بنعمةِ الله.
شرح آيات الرّسالة:
1-7 تشبيه جديد مأخوذ عن تقاليد يهوديّة ورومانيّة قانونيّة معاصرة لبولس: الطّفل القاصر أشبه بعبد مُعدَم، لا يملك شيئًا، إلى الأجل الّذي يحدّد له الأب (1-2). كذٰلك من يخضع لشريعة موسى هو طفل قاصر (3)، ومن يرتّد عن المسيح إلى ٱتّباع الشّريعة القديمة ثانية، يعود طفلًا عبدًا (9). الشّريعة موقَّتة، ٱنتهى وقتها بمجيء المسيح، الّذي حرّر الوثنيّين واليهود معًا، وجعلهم أبناء لله وارثين متساوين (4-7).
2 غل 3/25.
3 غل 3/23؛ قول 2/20.
أركان العالم: هي العناصر الكونيّة الأساسيّة في تكوين العالم المادّيّ. أمّا هنا فيعني بها الرّسول قُوًى ملائكيّة وسيطة لنظام الشّريعة القديمة (3/19؛ 4/9؛ قول 2/8، 20)، قُوًى روحيّة سماويّة، كان العالم الوثنيّ، واليهوديّ نفسه، يعتبر أنّها سيّدة الكون الماديّ، والأفلاك السّماويّة (قول 2/18). لا يَفرُق بولس هنا طقوسًا وثنيّة ويهوديّة، كان أخصامه يحاولون أن يفرضوها على المسيحيّين المهتدين من الوثنيّة في غلاطية. جميعها تُخضع الإنسان لغير الله، بينا المؤمن لا يخضع إلّا لخالقه، خصوصًا بعد أن صار ٱبنًا لله بنعمة المسيح ابن.
4-6 يختصر بولس في هٰذه الآيات تاريخ الخلاص ٱختصارًا كاملًا. فهو عمل الثّالوث الأقدس: صمّمه الآب منذ الأزل، وحقّقه ابن بتجسّده من العذراء مريم في الزّمن، ويكمّله الرّوح القدس، وهو وثمرة الفداء، أي موتِ المسيح وقيامتهِ، وهو الّذي يعطي المؤمنين، عبر الزّمان، الحياة الجديدة، حياة التّبنّي، وحقّ الميراث الأبديّ.
4 مر 1/15؛ أف 1/10؛ روم 1/3؛ يو 1/14؛ لو 2/21.
ملء الزّمان: تعبير يدلّ على الزّمن المسيحانيّ النُّهيَويّ، زمن مجيء المسيح يسوع، فيه أعلن سرّ مشيئته الكاملة، فٱمتلأ ٱنتظار الأجيال كما يمتلئ الكيل (مر 1/15؛ رسل 1/7؛ أف 1/10). هو الزّمن الّذي حدّده الآب (4/2)، زمن الإيمان (3/25) يكمّل زمن الشّريعة (3/23)، لينال المؤمن نعمة التّبنّي (3/26؛ 4/5).
مولودًا من ٱمرأة، مولودًافي حكم الشّريعة: حرفيًّا "صائرًا من ٱمرأة، صائرًا تحت الشّريعة". هي المرّة الوحيدة يشير فيها بولس في رسائله إلى أمّ يسوع، داعيًا إيّاها "ٱمرأة"، دلالة على سرّ تجسّد ٱبن الله، وٱنتمائه إلى جميع النّاس بغير ٱستثناء؛ ومحدّدًا "تحت الشّريعة"، دلالة على ٱنتمائه الخاصّ إلى الشّعب اليهوديّ، ليشمل بتجسّده النّاس أجمعين. لم تكن الكنيسة بعدُ قد وعت وعيًا واضحًا لشخصيّة العذراء مريم ودورها في تحقيق الخلاص. ومع ذٰلك يطالعنا في هٰذا النّص – أقدم نصّ في العهد الجديد عن العذراء – تشديد على الدّور الفريد الّذي جعله الله للعذراء مريم، ٱمرأة العهد الجديد، في تدبيره الخلاصيّ: أرسل إليها ٱبنه، فصار منها إنسانًا مثلنا، ثم أرسل إلينا روحه القدّوس، فصرنا مثل ٱبنه أولادًا لله الآب.
5 غل 3/13، 26؛ روم 8/15؛ متّى 3/15-17.
البنوّة: كان التّبنّي في معناه البشريّ ٱمتيازًا من ٱمتيازات شعب العهد القديم (روم 9/4)، كونَهُ شعبًا حرًّا لم يستعبده أحد (يو 8/33)، يعتبر نفسه ذا حقّ بأرض الميعاد ميراثًا له. أمّا في معناه الرّوحيّ فهو مشاركة في بنوّة الرّبّ يسوع للآب السّماويّ بٱلرّوح القدس، علاقة وجوديّة جديد مع الله الآب ٱستحقّها لنا اﮕبن بموته وقيامته، وحقّقها فينا بالعماد المقدّس روحُه القدّوس، ولا يزال يحقّقها فينا حتّى مقدار قامة ملء المسيح (أف 4/13).
6 روم 8/15-16.
قلوبنا: وفي مخطوطات "قلوبكم". إنّ نعمة التّبنّي الّتي حصلنا عليها هي عمل ثالوثيّ، متكامل، مشترك بين الأقانيم الإلٰهيّة، وخاصّ بكلّ منها. يتميّز الرّوح القدس بأنّه مبدأ الحياة الجديدة في المسيح، وهو الّذي يخوّل المؤمن أن يعبّر للآب عن عاطفته الحميمة بثقة اﮕبن الحقيقيّ، كما عبّر يسوع نفسه، داعيًا الله الآب دعوة الطّفل لأبيه الحنون: "أَبَّا".
7 يو 15/15؛ غل 3/29؛ روم 8/17.
الإنجيل
متّى12: 46-50
مَن أمّي وإخوتي؟
46 وفيما يسوع يكلّم الجُموع، إذا أُمّه وإخوته قد وقفوا في الخارج يطلبون أن يكلّموه.
47 فقال له أحدهم: "ها إنّ أُمَّك وإخوتكَ واقفون في الخارج يطلبون أن يكلّموك".
48 فأجاب يسوع وقال لمـُكلّمه: "مَن أمّي ومَن إخوتي؟".
49 وأشار بيده إلى تلاميذه وقال: "هٰؤلاء هُم أمّي وإخوتي!
50 لأنّ من يعمل مشيئة أبي الّذي في السّماوات هو أخي وأخي وأمّي!".
شرح آيات الإنجيل:
46 متّى 13/55؛ مر 6/3؛ يو 2/12؛ رسل 1/14؛ لو 2/49-50.
أخوتك: تعني كلمة إخوة، في الكتاب المقدّس، وعند الشّرقيّين، إِمّا أبناء الأمّ الواحدة، وإِمّا الأقارب الأَدنَين (تك 13/8؛ 14/16؛ 29/15؛ أح 10/4؛ 1 أخ 23/22).
47 تُهمل مخطوطات كبرى هٰذه الآية، لأنّها تعيد ما جاء في الآية السّابقة (46).
51 من يعمل بمشيئة أبي: قُربى الرّوح أهمّ من قُربى الدّم (8/21؛ 10/37).
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (زمن الميلاد المجيد جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1977).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.