يقول الفيلسوف الدكتور شارل مالك "الاحرار يعيشون في العالم، لكنهم ليسوا من العالم، الحرية قبس متعالٍ آتٍ من فوق".
فخامة الرئيس الشهيد رينه معوض، كم من الرؤساء وصلوا الى موقع الرئاسة، وخرجوا بعد انقضاء عهودهم من الموقع ومن التاريخ، وكم من الرؤساء رفعتهم الحرية الى ذلك القبس المتعالي الآتي من فوق لتوصلهم الى أعلى القمم في التاريخ.
فخامة الرئيس من الوطن النازف دائماً وابداً في سبيل الحفاظ على حريته واستقلاله نتوجه اليك هذه السنة، لنؤكد لك ولرفاقك ولشهداء المقاومة اللبنانية ولشهداء انتفاضة الاستقلال بأننا مستمرون.
ثلاثة وعشرون سنةً مرّت ولا تزال القضية هي هي وان تبدل اللاعبون.
ثلاثة وعشرون سنةً مرّت وشموس الحقيقة لا تزال خافية عن بعض العيون.
لقد أحكم النظام السوري قبضته على لبنان في 13 تشرين الاول من العام 1990، نعم في 13 تشرين الاول وليس في 22 تشرين الثاني من العام 1989 يوم اغتيالك، ولكن لمن نسى او تناسى ألم يؤسس تاريخ اغتيالك لـ13 تشرين، وهل ثمة من حفظ صلة الوصل بين الموت والموت كما بين الشهادة والشهادة؟، هل ثمة مِن من حفظ لك ولو بعد استشهادك أنّك فضّلت لنفسك الشهادة لانّك حاولت ابعاد كأس الشهادة عن شهداء 13 تشرين برفضك الهجوم العسكري على المنطقة الشرقية آنذاك، فأنت القائل "لنكف جميعاً عن الاحتكام الى السلاح، فمن حق شعبنا ان يستعيد حق الحياة".
هل ثمة من يصغي او يحفظ، كم يستحضرني قول الدكتور شارل مالك "قف، إصغ، إحفظ، إشهد، والخطأ اما انك لا تقف، او اذا وقفت فلا تضغي، او اذا وقفت واصغيت فلا تحفظ، او اذا وقفت وأضغيت وحفظت فلا تشهد".
فخامة الرئيس، انّها من غرائب القدر ان يتولى الشعب السوري مهمة معاقبة النظام السوري الذي امعن في لبنان استباحة منذ العام 1976، لقد امسك الشعب السوري بمطرقة العدالة ولا بد ان يستجب القدر، حتى أصبحت المعادلة حرية واحدة في بلدين وعدالة واحدة في بلدين.
فخامة الرئيس من 21 آذار عام 1977 الى 14 أيلول عام 1982 الى 22 تشرين الثاني عام 1989 الى 13 تشرين الاول عام 1990 الى 14 شباط عام 2005 وصولاً الى 19 تشرين الاول عام 2012، وغيرها وغيرها من تواريخ النضال والقهر، صفحات لا تنتهي، ونزيف لا ينتهي، واننا نتعهد يا فخامة الرئيس بألّا ينتهي نزيف الشهادة حتى استتباب الامن الشرعي على كامل ارض لبنان، وحتى سوق المجرم الى العدالة كائنًا من كان، فأنت القائل "لن أسمح لنفسي بلحظة راحة الا وقد استتب الامن اللبناني الشرعي في آخر في آخر بقعة من أرضنا".
تحية الى روحك للمرة الـ23 في الذكرى الـ23 لاستشهادك، ولا تخف على ما افتديته ولو حاولوا استبدال وصاية نظام سوري متهاوٍ بوصاية سلاحِ غير شرعي، فسلاح الشرعية أقوى من أي سلاح وسلاح الحق اقوى من اي سلاح، وسيظل قبس الحرية الآتي من فوق يلتهب في داخلنا، امّا الذّين تخلوا عن مدرسة شارل مالك في الوطنية لمصلحة مدرسة ولاية الفقيه، واشاحوا النظر عن تاريخ نضاليِ طويل مجبول بالعرق والدم، فلا يصح فيهم الا قول القديس متى الرسول "سراج الجسد هو العين، فإن كانت عينك سليمةً فجسدك كله يكون نيراً، وان كانت عينك مريضةً فجسدك كله مظلماً، فإن كان النور الذي فيك ظلاماً فيا له من ظلام".