صار للطائفة المارونية كاردينالان. لكن هذا لا يعني ان الكنيسة المارونية اليوم في احسن احوالها وفي عز ازدهارها. ان يكون للموارنة كاردينالان، هو امر يفترض ان يكون بالنسبة الى "الكنيسة الانطاكية السريانية المارونية"، بحسب تحديد المجمع الماروني لهويتها، وفي هذه المرحلة التي يمر فيها مسيحيو المشرق العربي بظروف قاسية، محطة استثنائية تعبّر فعلا عن تطلعات جميع ابناء الكنيسة المارونية، اكليروس وعلمانيين، في الشأن السياسي والوطني.
لكن هل هذا هو فعلاً ما يحصل اليوم؟
في اقل من عام، اطاح الكاردينال الجديد كل ما سعت الكنيسة المارونية منذ عام 1975 الى التمسك به ازاء الاحتلالات والصراعات الداخلية. واذا كان ملف الانقلاب الذي تعيشه البطريركية المارونية اليوم على كل تاريخها كبيراً، فإن ثمة محطة رئيسة في تاريخنا الحديث تكمن في مرحلة عام 2005 ـــ 2010، التي ينقلب عليها الكاردينال الجديد، من خلال تقويضه ما سعت بكركي مع البطريرك الكاردينال مارنصر الله بطرس صفير الى التشبث به من خلال ثلاث مسلّمات: الطائف والمحكمة الدولية والدفاع عن قانون انتخاب يعبّر فعلا عن تطلعات اللبنانيين جميعاً.
تناقض خطب الراعي كل مسيرة الكنيسة المارونية في تاريخها الحديث، وتحديدا في شكل مغاير تماما لوثيقة المجمع البطريركي الماروني.
في المجمع الماروني الذي كان الراعي امين سره، تمسّكت بكركي كلياً، في النص التاسع عشر بعنوان "الكنيسة المارونية والسياسة"، بمقدمة اتفاق الطائف، في كل بنودها، مسمية هذه البنود بنداً بنداً، لتؤكد اهمية هذا الاتفاق "الذي تمكنت سلطة الوصاية السورية من تحويره فضربت العقد الاجتماعي في الصميم، ما ادى الى افراغ الدولة من قرارها وافراغ الحياة السياسية من السياسة". وتخلص الوثيقة في شكل مطلق الى اعلان تمسك الكنيسة المارونية بالطائف، استنادا الى المذكرة المفصلة التي رفعتها الى رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري عام 1998.
في كل خطبه، ينادي الراعي بعقد اجتماعي جديد وبطائف جديد لأن "الطائف ليس منزلاً". ولا يزال يردد ذلك في الصالونات السياسية الضيقة والموسعة التي ينضم اليها مؤيدوه، في جلسات تبشّر بضرورة الذهاب الى عقد اجتماع جديد. متناسياً كيف سيكون وضع المسيحيين، في اي عقد جديد قائم على اسس تناقض ما اقره الطائف. في الوقت الذي لم يستطع المسيحيون الحصول على حقوقهم التي اقرها الطائف نفسه ــ لسوء تطبيقه ـــ الذي تمسك به المجمع الماروني وبيانات مجلس المطارنة الموارنة الذي كان المطران الراعي احد اعضائه ويدافع عنها بصفته رئيسا للجنة الاسقفية للاعلام الكاثوليكي.
في المحكمة الدولية، اطلق الراعي من روما مفاجأة من العيار الثقيل، بكلام يوازي في اهميته وخطورته كلامه حول النظام السوري والوضع في سوريا خلال زيارته الشهيرة الى باريس. رفض مطالبة البعض بتسليم المتهمين الاربعة الى القضاء الدولي. وهي مفاجأة حاولت قوى 14 آذار المارونية تفادي كسر الجرة مع الراعي حولها، لاعتبارات عدة. لكن الراعي بموقفه هذا، يناقض كل ما سبق ان قالته بكركي، عبر مجلس المطارنة الموارنة بمشاركته وموافقته على المحكمة الدولية وضرورة تسليم المتهمين الى العدالة. في 4 تشرين الاول عام 2006، عبّر مجلس المطارنة عن مخاوفه من "ان يكون الجدل القائم بين فريق من السياسيين وفريق آخر منهم حول استبدال الحكومة القائمة بحكومة وحدة وطنيّة يجب ألّا تكون وراءه مقاصد خفية، يُراد منها تفشيل تأليف محكمة دوليّة للنظر في قضيّة اغتيال المغفور له الرئيس رفيق الحريري".
في 4 كانون الثاني عام 2007 اعتبر مجلس المطارنة ان "المحكمة الدوليّة هي علّة العلل في الوضع اللبنانيّ، فهناك من يصرّون على تشكيلها لوضع حدّ لمسلسل الاغتيالات التي تودي بخيرة رجالات لبنان، ومنهم، وأغلبهم غير لبنانيين، يريدون تفشيل قيامها وصرف النظر عنها خوفاً من اكتشاف الحقيقة التي قد تتأذى منها مصالحهم. "وفي 4 نيسان عام 2007 دعت الكنيسة المارونيّة الى التزام لبنان بعدم عرقلة مساعيه لإنشاء المحكمة ذات الطابع الدوليّ لمحاكمة مرتكبي الجرائم الخطيرة التي حصلت في لبنان منذ تشرين 2004، والكف عن التجاذبات حولها (…) ذلك أنّ قيام هذه المحكمة يشكّل بنظرنا قضيّة مبدئيّة مرتبطة بالحق والعدالة والأخلاق".
اما في قانون الانتخاب، فقد فتح الراعي مبكراً معركة قانون الانتخاب في آب عام 2011 حين لم يكن اي فريق من اللبنانيين يقارب هذا الموضوع. لكن فتح هذا الملف لم يكن مبنياً على اي تصور حقيقي سوى تأمين صورة الاجتماع الماروني تحت صورة الراعي الارجوانية. لم يكن ثمة تصور واضح لقانون الانتخاب، حتى ان المجتمعين خرقوا المعايير التي كان وضعها المركز الماروني للتوثيق والابحاث حول قانون الانتخاب.
تدريجاً، بدأت الخلافات تدخل الى لجنة بكركي، واستعاد الموارنة خلافاتهم الداخلية والتقليدية على قانون الانتخاب، لينهي الراعي الجدل باطلاقه الحرم على قانون 1960. حرم انتهت مدة صلاحياته بعد اسابيع قليلة، حين حاول الراعي تعويض غلطته في حق فريق 14 آذار حول تسليم المتهمين الى القضاء الدولي، بتراجعه عن الحرم الكنسي واعادة تعويم قانون القضاء.
قبل الذهاب الى الدوحة، كان صفير الذي وافق على قانون 1960 ابان وجود الجيش السوري في لبنان، قد اقتنع بعدم صوابيته. حينها شنت قوى 8 آذار المسيحية الهجوم على من اقنع صفير بعدم جواز تمرير قانون 1960. لكنهم اليوم يعودون لاستخدام التعابير نفسها التي قالها صفير ومن اقنعه يومها بأن هذا القانون لم يعد صالحاً. وحده الراعي اراد تكفير غلطة المحكمة الدولية بغلطة اكثر فداحة. ليعود الموارنة الى نقطة الصفر، عالقين في كلام الليل الذي يمحوه كلام النهار.
مسيرة بكركي الحالية، وبعيدا عن مطالبات البعض السفارة البابوية بالتدخل وعن الانقسامات الحادة حولها، تترنح يوميا، فتفقد معها بكركي وهرتها.
في الفاتيكان، كان المجال مفتوحا للبهرجة الفاقعة التي رافقت تنصيب الراعي كاردينالا في خطوة فاتيكانية عادية لتكريم رأس الكنيسة المارونية ايا يكن اسمه، كما حصل مع اسلافه، عند التئام اول مجمع فاتيكاني.
اما في بكركي فمطلوب بعض التواضع على غرار ما عاشته الكنيسة المارونية حين تمكنت من عبور حرب ثلاثين عاما بأقل الخسائر الممكنة. لأن التحديات المارونية واللبنانية كثيرة، ومآدب التكريم لا تحل مكان حلقات التفكير التي اندثرت مبكرا في بكركي. الا اذا صار الندماء مفكرين.