كتب عوني الكعكي في صحيفة "الشرق":
فضيحة وزارة الطاقة مدوية في صفقة معمل دير عمار. ومهما حاول وزير الطاقة جبران باسيل وفريقه ان يتنصلا منها فلن يوفقا، لأن الأرقام هي التي تتكلم. والعملية حسابية من الألف الى الياء وبالتالي فالصفقة تفوح منها الروائح الكريهة بنحو مئة وستين مليون دولار أميركي فقط لا غير!
وفي التفاصيل ان مجلس الوزراء كان قرر الحاجة الماسة الى استيلاد 700 ميغاوات جديدة تضاف الى الكمية التي تنتجها المعامل حالياً، ليصير ممكناً تزويد المستهلكين بحدٍ معقول من التيار الكهربائي. اذ، حالياً بحاجة الى 450 ميغاوات في معمل دير عمار، و80 ميغاوات في معمل الجية، و180 ميغاوات في معمل الذوق.
وكان لا بد من البحث في توفير الطاقة، وتبين ان الممكن حالياً هو تزويد المحطات القائمة بمعامل إضافية، أي كما ذكرنا آنفاً: في كل من ديرعمار 450 ميغاوات والجية 80 والذوق 180.
وقرّ الرأي على البدء بمعمل دير عمار، ولذلك جرى البحث في الكلفة، اذ المعلوم ان كلفة الانتاج على الغاز توازي نصف الكلفة على الفيول، كما تساوي ربع الكلفة على المازوت، ما يعني ان تشغيل المعمل على المازوت هو الأغلى، ثم يليه الفيول. اما الغاز فهو الأدنى سعراً.
ومعلوم ان لبنان في حاجة الى ما بين 2800 و3000 ميغاوات. والمعامل تنتج حالياً فقط 1800 ميغاوات ولكن لا يصل منها، عملياً، الى المستهلك سوى 1200 ميغاوات بسبب سوء حال المعامل (معمل الجية عمره 57 سنة ويفتقر الى الصيانة)… وحتى لو أضفنا 700 ميغاوات سيبقى النقص في حدود الألف ميغاوات. ناهيك بزيادة الاستهلاك السنوية بنسبة 8 الى 10 في المئة. والخبراء يؤكدون ان حاجة لبنان في العام 2020 (أي بعد فقط 8 سنوات) ستبلغ 5000 ميغاوات.
وبالنسبة لموضوع شراء معامل جديدة للانتاج يجب أخذ ثلاثة أمور في الاهتمام بالنسبة الى الأسعار:
1- سعر المعمل -2- كلفة الانتاج -3- الاضافات في المحطة. وهذا ما يفرق بين شركة وشركة، خصوصاً وأن بعض ماكينات الانتاج يستهلك وقوداً أكثر من البعض الآخر.
أما بالنسبة الى الاضافات فهي ما يشبه سيارة يكون سعرها رقماً معيناً، ثم يزداد الرقم ارتفاعاً مع الزيادات والاضافات المعروفة.
في أي حال تقدمت 5 شركات للمشاركة في المناقصة التي اقامتها وزارة الطاقة لمعمل دير عمار:
شركة الغانم – سيمنز الكويتية، وقدمت عرضاً قيمته نحو 539 مليون دولار أميركي ما زال في أدراج لجنة المناقصات.
وشركة ابينير – بوتاك جي إي الاسبانية التي وكيلها المهندس نزار يونس. وقدمت عرضاً قيمته نحو 662 مليون دولار أميركي.
وشركة جي اند بي سيبروس – أفاز – جي إي. وهي قبرصية وقدمت عرضاً قيمته نحو 586 مليون دولار أميركي.
وشركة سيبكو -3 جي إي التركية وقيمة العرض نحو 621 مليون دولار أميركي.
وشركة غاما – سيمنز التركية. وقدمت عرضاً قيمته 569 مليون دولار أميركي.
ويبدو واضحاً من هذه العروض التي شاركت في المناقصة ان العرض الكويتي هو أفضلها خصوصاً أنه الأدنى سعراً.
ولكن ما حدث شكّل مفاجأة من العيار الثقيل: فقد رفضت هذه الشركة واعتبرت غير مكتملة الشروط.
وحتى هذه اللحظة لا تزال الأسباب مجهولة لاستثناء شركة الغانم – سيمنز من المناقصة! على رغم أنّ أسعارها هي الأفضل وتوفر على الخزينة مبالغ طائلة.
والفرق ليس فقط في تكلفة انشاء المعمل، بل أيضاً في تكلفة سعر الانتاج. فشركة نزار يونس تكلف ساعة انتاجها 13.6 دولاراً. أما الشركة الكويتية التي استبعدت فالكلفة فيها للساعة انتاجاً تبلغ 12.4 دولاراً. وبعملية حسابية بسيطة يتبين أنه لو اعتمدت الدولة العرض المقدم من الغانم لوفرت، فقط في فرق تكلفة إنتاج الطاقة، ما بين 60 و80 مليون دولار سنوياً؟!
وفوق هذا وذاك كانت الدولة الكويتية ستمنح لبنان قرضاً بـ350 مليون دولار عن طريق الصندوق الكويتي للقطاع الكهربائي… فرفضه الوزير باسيل بزعم ان ذلك دونه اجراءات كثيرة ما يستغرق وقتاً طويلاً… وها قد مرت سنتان على ذلك وما زلنا «مطرحك يا واقف»! بل لعلنا رجعنا الى الوراء في قطاع الطاقة.
ويشار الى ان الـ450 ميغاوات المطلوب إنتاجها في معمل دير عمار والتي جرت المناقصات (… والفضيحة) على أساسها، تكون كلفتها واضحة في مقياس الأسعار العالمية. والكلفة تراوح بين 800 الف ومليون دولار للميغاوات الواحد.
وبعملية حسابية بسيطة يتضح ان الكلفة تراوح بين 350 مليوناً و450 مليون دولار.
ولذلك لم يكن ثمة مبرر لهذا الفرق الكبير في السعر الذي يبلغ نحواً من أكثر من 160 مليون دولار أميركي… فوجد مجلس الوزراء نفسه مضطراً لوقف الصفقة، ما أدّى الى دعوى اقامتها شركة نزار يونس على الدولة اللبنانية تطالب فيها بمئات الملايين ارباحاً نظرية وتعويضاً عن أعطال وأضرار.
ولم يستبعد البعض ان تكون موافقة الوزير باسيل في مجلس الوزراء على عدم اتمام الصفقة ناجمة عن واحد من احتمالين:
الاحتمال الأول مصلحة انتخابية: أي ربما يتجه باسيل الى فك الشراكة الانتخابية في البترون مع آل يونس الذين يمثلون الجرد (تنورين والجوار) بينما هو، أي باسيل يمثل الساحل.
والاحتمال الثاني: يمكن ان يكون الخلاف صورياً، أما من تحت الطاولة فثمة اتفاق يقوم على أساس أرباح توفرها الدعوى المقامة في مقاضاة الدولة اللبنانية بعدما تعذّر توفيرها من خلال التلزيم.
وثمة ملاحظات أخيرة:
الاولى- شركة نزار يونس اسبانيون مع جنرال إلكتريك، أما شركة الغانم فهي كويتية مع سيمنز الأهم في العالم… لكن «العيب» فيها انها لا تدفع عمولات… لذلك استبعدوها!
ثانياً- كان الاجدى بمجلس الوزراء أن يطلب العقد الذي استبعدوه والذي زعم الوزير باسيل انه غير مستوفٍ الشروط.
ثالثاً- سمح مجلس الوزراء لباسيل أن يخفض السعر، مقابل التخفيف من المواصفات التي هي شكلية وليست جوهرية، وهي ما يُعرف بـ»الزوائد».
رابعاً- ماذا سيكون موقف دولة الكويت الشقيقة وما هو موقف صندوق الدعم الكويتي الذي موّل العديد من المشاريع المتعلقة بوزارة الطاقة؟
أما السؤال الذي يطرح ذاته، بإلحاح، فهو: لماذا لم يطلب مجلس الوزراء العرض الحكومي الذي هو أقل كلفة ليطلع عليه ويبدي الرأي فيه؟!.
من جهة اخرى، علمت "النهار" ان "وزير الطاقة والمياه جبران باسيل سئل في جلسة مجلس الوزراء عن سبب تأخر وصول بواخر الكهرباء، فعزا ذلك الى تأخر وزارة المال في صرف الاموال للشركة صاحبة الالتزام، لكن وزير المال محمد الصفدي اكد ان الوزارة صرفت الاموال لمصلحة الشركة منذ اكثر من شهر ونصف شهر وان التأخير كان بسبب عدم فتح حساب خاص لتحول اليه الاموال ولم يعد من سبب لتأخر الشركة. ورد باسيل بأنه كان على وزارة المال أن تبلغ مؤسسة كهرباء لبنان ضرورة فتح حساب قبل وقت، لكنها لم تفعل إلا عندما وصلنا الى استحقاق الدفع".
وأضافت المعلومات ان "الصفدي أثار ايضا موضوع العقبات القضائية التي تواجهها الشركة المعنية في باكستان حيث حجز على بواخرها".
ثم سأل بعض الوزراء عن مصير تلزيم معمل توليد الطاقة في دير عمار وموقف الشركة الفائزة بالمناقصة من خفض المبلغ الذي طلبته، فكان جواب باسيل بأن "التفاوض مع الشركة الاسبانية لم يؤد الى أي تجاوب بعد". واقترح اجراء مناقصة جديدة. لكن وزراء رفضوا ذلك خشية مزيد من الهدر للمال والوقت وتقرر استكمال البحث في الموضوع في جلسة مقبلة.