عندما توجّهت اطراف النزاع في لبنان الى الدوحة، في أعقاب غزوة 7 ايار 2008، كانت لجنة فؤاد بطرس الشهيرة، قد أنجزت عملها قبل فترةٍ وجيزة، فتوصلّت الى مشروع قانونٍ إنتخابيٍ عصري يؤمّن إيصال ما بين 52 الى 57 نائباً بأصوات المسيحيين. تعطيل مجلس النواب من قبل قوى "8 آذار" حال دون طرح هذا المشروع على التصويت.
العماد ميشال عون الذي كان مُشاركاً في إجتماعات الدوحة، تجاهل مشروع لجنة فؤاد بطرس للعام 2008، وأصّر على الرجوع 5 عقودٍ من الزمن الى الوراء، وبالتحديد الى العام 1960.
التنقيب في "دفاتر" الماضي، بغية تشويه الحاضر وتزوير التاريخ، هي صفةٌ ملازمةٌ للعماد عون في تعاطيه السياسي. الإصرار على قانون مُجحفٍ بحق المسيحيين كقانون الـ 60، بالرغم من وجود مشروعٍ يؤمن لهم 57 نائباً كمشروع لجنة فؤاد بطرس، شكّل قمّة الإستخفاف بمصالح المسيحيين.
"التسونامي" الغابر اعمى بصر العماد عون، فتوهّم ان إسقاط تجربة "تسونامي الـ 2005" على قانون الـ 60، يمكّنه من انتزاع اكثريةٍ موصوفة في انتخابات 2009، تخولّه تتويج نفسه ملكاً دستورياً الى أبد الآبدين. امّا مشروع لجنة فؤاد بطرس، فآخر من يعلم…
في مقابلةٍ له مع قناة الجزيرة بتاريخ 20 ايار 2008، اي أثناء انعقاد مؤتمر الدوحة، قال عون: "العقدة الأساسية الآن هي قانون الإنتخاب". معادلة: قانون الـ 2000 او قانون الـ60، ليست موجودة إلاّ في مخيلّة العماد عون. ما كان مطروحاً حينها هو: قانون الـ 60 في مقابل قانونٍ افضل منه، لكن مصلحة العماد عون الإنتخابية في العام 2009، اقتضت منه التفريط بحقوق المسيحيين في ايار 2008.
خسارة العماد عون في انتخابات الـ 2009 تحدوه للإنقلاب على قانون الـ 60 اليوم، ولكن لو جاءت نتائجها بحسب توقّعاته، لكانت لوحات "رجّعنا الحق لأصحابو" تملأ الشوارع، وتكتسح الساحات!
ما قاله مسيحيو "14 آذار" قبل اربع سنوات، يقوله العماد عون نفسه في هذه الأيام. امّا منطلقات الطرفين، فمختلفة تماماً.
العماد عون اراد قانوناً على صورة تياره ومثاله، اي مُشوّهاً، مُجوّفاً، اعرجاً، حتى ولو تطلّب ذلك إنتشاله من غياهب النسيان، امّا مسيحيو "14 آذار"، فأرادوه قانوناً عصرياً، عادلاً يُعطي كل ذي صاحب حقّ حقّه، بحسب ما نصّ عليه الدستور.
بالأمس شددّ الكاردينال الراعي على ضرورة إجراء الإنتخابات النيابية في موعدها الدستوري، حتى ولو تم ذلك وفق قانون الـ 60. وبالأمس ايضاً، ثارت ثائرة المُروجّين لتأجيل الإنتخابات والساعين لضرب الحياة الديمقراطية في لبنان.
بالأمس كان الكاردينال محطّ تبجيلٍ وتبخيرٍ و"تدجيلٍ" من قبل "8 آذار"، امّا اليوم فـ "لسان إعلامهم" يتحدّث عن "أخطاء" البطريرك، وعن العربة التي تسبق الحصان…
منذ العام 1988 وحتى اليوم، دأب العماد عون على تحميل الغير مسؤولية أخطائه بالذات.
من حفر حفرةً لأخيه وقع فيها. العماد عون حفر حفرةً في العام 2008، فوقع فيها بعدها بسنة بالضبط، وسوف يقع فيها مجدداً بعد سنةٍ من الآن!
في ايار 2008 تمكّن العماد عون من حفر حفرة الـ 60 بفعل سطوة السلاح، وعندما سقط في حفرته، أراد تحميل قوى "14 آذار" مسؤولية إنتشاله منها، ولكن، ليس كل ما يتمنّاه عون يُدركه، تجري القوانين بما لا تشتهي الحُفَر.
ليست الثورة وحدها من تأكل ابناءها وأهلها… قانون الـ 60 اكل والده ايضاً…