#dfp #adsense

انزلاق مستمر نحو الفساد أو انعتاق ونمو

حجم الخط

 لي كوان يو مؤسس سنغافورة الحديثة أراد حين بدأ مساعيه لتحديث بلده الصغير بارسال فريق لدرس أوضاع لبنان وأسباب نجاحه في الخمسينات واوائل الستينات.
ورئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد حينما زار لبنان في التسعينات بدعوة من الرئيس رفيق الحريري أجريت معه والزميل فريدي باز مقابلة تلفزيونية.

جوابا عن سؤال عن اسباب نجاحه في تحقيق معدلات نمو كبيرة وتنويع في مجالات النشاط الاقتصادي قال مهاتير محمد: في ماليزيا نختار أفضل الكفايات لتولي ادارة الشأن العام، ونجزي التعويضات ونختار انجح رجال الاعمال لادارة شؤون عامة ذات اتصال بمستوى الخدمات للمواطنين وتأمين شروط المنافسة اقليمياً ودولياً، والسياسيون منكبون على تحسين اداء القطاع العام والقطاع الخاص في آن واحد، والمنافسة ما بين الفرقاء هي على الانجاز وليست على اكتساب المنافع الخاصة.

في المقابل، اضاف مهاتير محمد، لديكم رئيس وزراء صاحب رؤية وتصميم على استعادة لبنان تجهيزاته البنيوية ومعاصرة التطورات الدولية العلمية والتقنية لكن الانجاز ليس على مستوى الطموح والتخطيط لان المصالح الفئوية والفردية هي المصالح الطاغية.

سنغافورة اصبحت تعتبر من أنجح مراكز اسواق المال في العالم، ومركزاً مميزاً للتعليم، وقاعدة للعمل للشركات الدولية في شرق آسيا، واصبحت تتمتع بمستوى دخل للفرد يعتبر من المستويات الاعلى عالمياً.
والامر نفسه يسري في ماليزيا التي حققت نجاحات اقتصادية باهرة وصارت لديها صناديق استثمارية تعتبر من الافضل في العالم. وقد حققت استثمارات لفائدة البلد سواء في الشرق الاقصى، الولايات المتحدة، وأوروبا. والبلدان استفادا من التعاون مع الصين، العملاق الاقتصادي الذي أصبح في الموقع الثاني عالمياً على مستوى الدخل القومي والذي يتوقع ان يسبق الولايات المتحدة في حجم اقتصاده قبل سنة 2020.

كل هذه التطورات تأخذ طريقها ونحن في لبنان نشهد سنة بعد سنة تردي الاوضاع التجهيزية، وابتعاد السياسيين عن اعتماد سياسات انمائية، والقاء تبعة المحافظة على سعر النقد والانماء في الوقت ذاته على كاهل مصرف لبنان، في حين ان دوره الاساسي المحافظة على النقد والمساهمة في تأمين قواعد النمو. وقد اصبح مصرف لبنان بمثابة الرافعة للاقتصاد، وهذا أمر يتجاوز ما هو مطلوب منه ولا يمكن اعتماده أساساً للنمو المستمر في المستقبل ما لم يتوسع دور المصرف تشريعياً، وما لم يحظ بحماية حقيقية من التدخلات السياسية.

لبنان اليوم في وضع حرج. فقد القدرة على النمو لتعاظم العجز المالي، وتفاقم سوء الادارة والهدر، وتراكم المعوقات الادارية وانسياب المنتجات في مسارب لا تحقق جمركياً أو حتى صحياً منها وكل ذلك يحدث وهنالك فئات تسيطر على مسارب التهريب والفساد، وموظفون تعودوا الرشى وسيلة للوجاهة والثروة.

ولا عجب ان يكون معدل دخل اللبناني أقل من 30 في المئة من معدل دخل الماليزي، وأقل من 25 في المئة من معدل دخل السنغافوري، وقد اراد مسؤولو البلدين احتذاء مثال لبنان الخمسينات واوائل الستينات لتحقيق النجاح.
هذا اللبنان الذي يقبل بان يكون عدد المدرسين في مدارسه الرسمية الابتدائية على مستوى استاذ لكل سبعة تلاميذ، وهذا اللبنان الذي يستقطب تحويلات من ابنائه العاملين في الخارج على مستوى 8 – 10 مليارات دولار سنويا. وهذا اللبنان الذي يتحمل مصاريف مصفاتين غير عاملتين. وهذا اللبنان الذي اصبحت امدادات الكهرباء التي تغطي نصف حاجات سكانه من مولدات خاصة غير مضبوطة سواء على مستوى الاسعار أو التلوث. وهذا اللبنان الذي يتمتع باعلى مقدار من تساقط الامطار ولا يستطيع توفير حاجات المياه لاهله سواء الحاجات الزراعية أو المنزلية أو الصناعية، وهذا اللبنان الذي تتقطع فيه الاتصالات وخدمات الانترنت وبات يصنف من أسوأ البلدان على صعيد خدمات ورسوم الهاتف الخليوي، والانترنت الخ… لا يمكن ان يتجاوز خطر الوقوع في أزمة كساد لن يستطيع التملص منها في وقت قريب.

اليوم وقبل الغد لا بد من الاقدام على بدء مسيرة الاصلاح والبناء والتصميم على تجاوز الوضع الخطير الذي يتآكل مصادر الدولة وآمال اللبنانيين ولا سيما منهم الشباب والشابات ممن حققوا مستويات علمية مقبولة أو مميزة.

وهذه خطوات لا بد منها:
– اقرار قانون المشاركة أو التشارك بين القطاع العام والقطاع الخاص.
– اصدار سندات دين تحول الى اسهم بحسب مشيئة حاملها بقيمة خمسة مليارات دولار تخصص لانجاز محطتين لانتاج الكهرباء تعملان على الغاز الطبيعي وتنجزان خلال 24 شهراً بطاقة 1200 ميغاوات لكل محطة، وربط المحطتين بخط لنقل الغاز بين الشمال والجنوب، وحينئذ تتحقق وفورات في تكاليف انتاج الكهرباء، وانفاق المواطنين على المولدات الخاصة تتجاوز ثلاثة مليارات دولار كل سنة.

– دفع بلدية بيروت التي لديها صندوق ادخار يفوق الـ800 مليون دولار الى انجاز اعمال ترفيع للبنية التحتية بقيمة 150 – 200 مليون دولار سنوياً، وربما انجاز مساكن حول اراضي الحوض الاول للمهنيين واصحاب الدخل المتوسط، كما حققت بلدية لندن بتفرعاتها في منطقة الكناري وارف على ضفاف نهر التيمز.

ويضاف الى كل ما تقدم، ولا شك في ان التوصيات بالكاد تغطي 10 – 20 في المئة مما هو مطلوب لانعاش البلد وآمال اهله، انه لا بد ان يعي المسؤولون في لبنان ان فرص نجاح لبنان واهله في تحقيق انجازات كبرى هي اليوم متوافرة في العراق وليبيا، وسوف تتوافر في المستقبل القريب من سوريا حيث الخراب نتيجة الحرب الاهلية الدائرة صار منتشراً على مستوى البلد ككل، وحاجات اعادة البناء قدرت حتى تاريخه بـ60 مليار دولار.

ولبنان يستطيع ان يكون بتوفيره تسهيلات لمواطنين سوريين ناشطين ان يستقطب نسبة من رجال الاعمال السوريين وعائلاتهم تساهم في اغناء لبنان مادياً وعلى صعيد العلاقات الدولية والفرص المستقبلية لاعادة بناء سوريا، لكن رحلة الالف ميل في هذا الاتجاه ترتهن بحسن استقبال ورعاية عشرات الآلاف من المهجرين السوريين الذين يعانون البرد، ونقص الغذاء والكساء والحاجة الملحة الى تأمين تعليم ابنائهم وبناتهم.
فربما ارتقى لبنان الى مستوى تفادي السقوط في الكساد والتحول نحو النمو وتحسين الخدمات الاساسية والبدء باستعادة صورة البلد الآمن والمعني بشؤون الانسان في المقام الاول.

المصدر:
النهار

خبر عاجل