#dfp #adsense

حزبٌ استبداديٌّ وليس فرعوناً جديداً

حجم الخط

 ساد في الشارع والأندية الإعلامية والسياسية المصرية ومعها العربية مصطلح "فرعون جديد" في وصف الرئيس محمد مرسي بعد "الإعلان الدستوري" الذي أصدره الأسبوع المنصرم والذي تتضمّن مادتُه الثانية – للتذكير – أن "الإعلانات والقرارات والقوانين الصادرة عن رئيس الجمهورية غير قابلة للطعن ولا لوقف التنفيذ" بأي صيغة من الصيغ القضائية أو غيرها.

هذا المصطلح: "فرعون جديد" رغم سهولة فهم وتفهّم الأسباب التي أدّت إلى إطلاقه في الأدبيّات السياسية المصرية، إلا أنه مصطلح غير دقيق – في ما أزعم – لوصف الحكم المصري الراهن في الصراع السياسي والقضائي والفكري المندلع على كل مستويات المجتمع والدولة المصريّين.

"الإعلان الدستوري" الرئاسي يكشف مشروع حركة "الإخوان المسلمين" التي تقود الرئيس مرسي بكل ما للكلمة – وراء المظاهر الشكلية- من معنى. فالوضع المصري لم يعد يستطيع، خلافا لتقاليده الجمهورية منذ عام 1952، أن يُنتِج فرعونا جديدا. وهذه إحدى النتائج التاريخية للثورة المصرية بعد "25 يناير" 2011 من حيث أن هذا الكيان العريق الذي تمثّله الدولة النهرية المركزية التي تصنع "فراعنة" قدماءَ ملكيين وجدداً جمهوريين لم يعد باستطاعتها في شروط الثورة المصرية الجديدة أن تنتِج هؤلاء الفراعنة وآخرهم الرئيس حسني مبارك. لعلّ الدقة التاريخية هنا أو ربما "الإنصاف" يقتضي القول أنه منذ الاحتلال البريطاني لمصر في ثمانينات القرن التاسع عشر لم يعد خديويو (جمع خديوي) مصر من ورثة "الفرعون النهضوي" محمد علي باشا "فراعنةً" أو قادرين على أن يكونوا فراعنة وقطعا بعد ثورة 1919 أصبح ملوك مصر، وخصوصا فؤاد ونجلَه فاروق، ملوكا دستوريين بالمعنى الحرفي للكلمة.

عادت الفرعونية إلى مصر عام 1952 بعد غياب بضعة عقود ساهم فيها ضعف الخديوي تجاه الاحتلال البريطاني وبعد 1919 تجاه العقد الوطني الذي انتجته الثورة. هذا أيا يكن رأينا السياسي أو النابع من الرومنطيقية الوطنية… بشخص الرئيس جمال عبدالناصر!

مصر الحالية لا تواجه خطر فرعونٍ جديدٍ ولكنها أمام خطرِ استبدادِ حزبٍ حاكمٍ هو "حركة الإخوان المسلمين". وهذا وضعٌ جديدٌ على بنية السياسة المصرية التي لم تعرف في السلطة حزبا"دينيا" من هذا النوع.
"الإعلان الدستوري" الرئاسي يعبّر عن مشروعِ حزبٍ ذي قيادةٍ سياسيةٍ مستندةٍ إلى تحالفات اجتماعية ومالية، داخلية وخارجية، يمثّلها المرشدُ العام والوجه النافذ خيرت الشاطر وبعض أعضاء "مكتب الإرشاد".

هذه الحالة ليست "فرعونية" جديدة من حيث أنها لا تعكس دورَ حاكمٍ فرد. ربما يُنتج الحزب الحاكم ديكتاتورا فرْداً كما حصل في روسيا و ألمانيا وإيطاليا ولاحقا في سوريا والعراق وإيران ومصر ودول أميركا اللاتينية وغيرها، بعضها بين الحربين العالميتين الأولى والثانية وبعضها بعد الحرب العالمية الثانية وبعضها امتد على الفترتين مع فوارقَ مهمةٍ يجب رصدُها في كل تجربة بمعيارين:

الأول هو المتعلق بأن مصدر الديكتاتور ليس دائماً الحزب "المدني" وإنما الجيش والمعيار الثاني هو الطابع الأقلّوي لبعض الأحزاب القوية الحاكمة والطابع الأكثري لأحزاب أخرى."والإخوان المسلمون" المصريون ينتمون إلى الفئة الثانية ليس بمعنى الأكثرية أو الأغلبية المطلقة وإنما بمعنى الحزب الأكبر بين أحزاب أخرى كما أظهرت عمليتا الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرتان.

مصر الحالية تواجه بعد "الإعلان الدستوري" الرئاسي وضعاً لا سابق له: حزب ذو باع طويل في النضال السري والفكر العقائدي ( هو في الواقع رائد كل حركات الإسلام الأصولي المعاصرة، السنية والشيعية) موجودٌ للمرة الأولى على رأس سلطة دولة مركزية جدا.

بهذا المعنى يبدو الوضع المصري داخلياً أمام المنعطف التالي: إما أن ينشأ استبدادٌ حزبيٌّ حاكمٌ محميٌّ بنوع من "الفاشية الشعبية" وهذا وضع جديد تماما على مصر (قد يُنتج مستقبلا فرعونا فردا) وإما أن تنجح حركة الاعتراض الشعبي، اليسارية الليبرالية العلمانية، في تحويله أي "حزب" الإخوان المسلمين إلى "حزب وفد" جديد بحيث يكون حزب أكثرية شعبية ونيابية يتبادل السلطة ضمن إطار دستوري ديموقراطي في مناخ من الصراع السياسي المفتوح كما كان "حزب الوفد" من العشرينات حتى مطلع الخمسينات، مع العلم أن سنوات حكم الوفد بسبب صراعه مع الملك كانت محدودة جدا خلال ثلاثة عقود هي بعض أجمل وأغنى الزمن الذهبي لليبرالية السياسية العربية التي أنتجها عصر النهضة في النصف الأول من القرن العشرين.

لذلك ما يحدث اليوم هو جديدٌ من نوعه: فلا خوف في هذا الحراك الشامل الذي يشمل كل شيء في مصر منذ 25 يناير (حتى بين الزوج وزوجته كما قال لي بظرافة مصرية معهودة أكاديميٌّ وزميلٌ مصريٌّ معروف)… لا خوف من فرعون… الخوف من حزب استبدادي قد يُساهم جيلُ الشباب داخله، أي داخل "الإخوان"، في إنقاذه وإنقاذ مصر من هذا المآل.

المصدر:
النهار

خبر عاجل