#dfp #adsense

مرسي رئيس “الإخوان” أم رئيس مصر؟

حجم الخط

كأنه أول رئيس منتخب تطالبه فئة كبيرة انتجبته بالاستقالة بعد ثلاثة أشهر من توليه السلطة. مفارقة غريبة، تحدث في مصر، وفي ميدان التحرير خصوصاً، من ثورة 25 يناير التي أطاحت حسني مبارك. إنه محمد مرسي، بات في جهة مع "الاخوان" والسلفيين مقابل بقية المكونات التي صنعت الثورة، أو بدأتها. ثلاثة أشهر! غريب. أما لماذا انقلبت الجماهير المصرية المدنية وسواها على أول رئيس يُنتخب، فهذه أسئلة مطروحة على الساحة المصرية والعربية.. ومن يتابع المليونية الأخيرة في ميدان التحرير والميادين الأخرى، في المدن والأرياف، يقرأ في هتافات المعتصمين، والمتظاهرين، الشعارات ذاتها التي أطلقت في 28 يناير من 2011: "إرحل" ضد مبارك!

هذا الغضب العارم ليس مجرد رد فعل انفعالي، أو مناسبي، بقدر ما هو الخوف من استعادة النظام المباركي القديم بسحنٍ جديدة. كأنما هال المصريين أن يبادر الرئيس مرسي إلى إعلانه الدستوري متخطياً كل السلطات القضائية والسياسية. فهل فعلنا الثورة. ودفعنا شهداء ثمناً للحرية والديموقراطية، لنعود إلى نقطة البداية: الرئيس هو الدولة، والدولة هي الرئيس. أو بكلام آخر: هل ترجع الثورة التي قامت على إسقاط الدكتاتورية دكتاتوريةً أخرى؟ يعني ذلك خيانة بكل المبادئ والأحلام التي هزّت الثوار. كأنما استعجل مرسي إحراق المراحل. بل كأن التشوّق إلى السلطة جعله يتعامى عن الواقع الجديد المتمثل بالربيع العربي. وعندما كنت في القاهرة قبل أسابيع، قلت في إحدى الندوات التي عقدت في مكتبتي "ميريت" و"الدار"، أن الثورة ككل هي التي أوصلت مرسي إلى الرئاسة. وقلنا إننا، ومعنا الكثيرون، لم نكن لنفرّق بين مكوّناتها، لا بين الليبراليين ولا الشيوعيين ولا القوميين العرب ولا المستقلين ولا 6 إبريل… ولا الإخوان المسلمين ولا حتى السلفيين. بل قلنا إننا كنّا مع هؤلاء جميعاً.

وهكذا كانت الجماهير. وهكذا كان المناضلون والمثقفون والعمال والفقراء والفلاحون والطلاب الذين صاغوا ما يُسمى "الكتلة التاريخية" أي اندماج مختلف الشرائح النخبوية والشعبية في التحام هدفه إسقاط نظام مبارك. ولهذا سميت ثورة الربيع العربي: ثورة البداية.. وقلنا في الندوتين أن هناك انقلابات تحوّلت ثورات، وثورات تحوّلت انقلابات. والمثل الساطع الثورة الإسلامية في إيران، التي اجتمعت فيها التيارات المتنوعة من خمينية، وليبرالية، ويسارية ويمينية وعلمانية، وهي التي أطاحت نظام الشاه، الأحادي، الدكتاتوري، المتسلّط. لكن ما إن نجحت الثورة حتى عمد الخميني إلى تصفية كل "رفاق طريقه"، وتشريدهم وقتلهم، وسجنهم، متهماً إياهم بالكفر أو بالعمالة للغرب والامبريالية ولأعداء الشعب والثورة، من مجاهدي خلق إلى حزب تودة… لينفرد بالسلطة، ويوقع الثورة بأحادية لا تختلف كثيراً عن نظام الشاه… أو الأحرى انتقل النظام من إمبراطورية شاهنشاهية إلى جمهورية الحزب الواحد، أو الرجل الواحد وصولاً إلى نظام ولاية الفقيه. فيما نجد أن ثورة الضباط الأحرار بقيادة محمد نجيب وعبدالناصر، انتقلت من "انقلاب" عسكري إلى ثورة جماهيرية، لكن أيضاً بهيمنة الحزب الواحد، وإبعاد "الأخوان المسلمين" الذين شاركوا بإنجاحها، وسائر الأطراف. هذا ما صنعه ستالين أيضاً عندما صفّى كل القيادات الشيوعية واستفرد بالسلطة… وحذا حذوه صدام حسين وحافظ الأسد والقذافي وعلي صالح… وصولاً إلى حسني مبارك.
هذه التذكارات ليست بعيدة عما يبادر إليه الرئيس مرسي، الذي أوصلته الثورة، ليحاول أن يحوّلها انقلاباً. لكن لم يعِ أن الظروف التي ساعدت الدكتاتوريات السابقة على توطيد سلطتها الأحادية قد تغيّرت. وإن مبدأ الحكم الفردي أو القائد الملهم أو "الإله" الواحد قد تلاشى! وكأنه وقع في المحظور أو أخطأ في الزمان. أو أخطأ به الزمان. بمعنى آخر، كأنما يريد الرئيس مرسي أن يرى الأمور الجديدة بعيون قديمة. أو أن يرى السلطة بمنظارِ مَنْ تساقط من الطغاة في الربيع العربي. أي يريد أن يجعل من الربيع العربي خريفاً للثورة، وربيعاً متجدداً لأسلافه من الاستبداديين. وفي هذا إسقاط للثورة نفسها، وجعلها "انقلاباً" فئوياً، أو انقلاب الحزب الواحد. فهو لا يستطيع أن ينسب إلى نفسه كل الثورة، لأنه بذلك يلغي نفسه. أي يلغي شرعيته. أو يضرب شرعية الثورة نفسها. فهو لم يُنتخب ليكون نصف رئيس، أو ربع رئيس، أو لا رئيساً… أو قائداً معزولاً على كرسي مثقوب. فالخاسر الأكبر مما يفعله هو مرسي. لأنه عندما ينقضّ على مكتسبات الثورة الكلية فهو ينقضّ على مكتسباته. وعندما يُهدر حقوق أكثرية المصريين فهو يُهدر حقوقه. يُصبح عندها رئيساً لفئة دون كل الفئات الأخرى. أي يصبح رئيس الأخوان المسلمين لا رئيس مصر. وعندها، ينفي شرعيته الدستورية والشعبية، ويُصبح مرذولاً أو مهزوماً أو معزولاً عن الشعب. ونظن أن الوهم الكبير أصاب الرئيس مرسي، بحيث ظنّ أنه قادر، بعد تلك الثورة العارمة، أن يجالس نفسه، في برجه "الأخواني" أو يحاور صوته، بدلاً من أن تكون المشاركة الديموقراطية القائمة على المراجعة الذاتية، والنقدية، والتعددية، واختلاط الآراء، هي المرجعية. ويخطئ (وقد أخطأ) مرسي عندما يحصر مرجعيته بالأخوان. فهؤلاء ليسوا المرجعية، بل جزء محدود منها. وهنا بالذات، نسأل، لماذا يريد مرسي أن يلغي المكوّنات الأخرى، أي التنوعية التي صنعت الثورة… أتراه يحسب أنه قام بها وحده. ربما، ومن باب الميغالومانية يحسب نفسه كذلك. لكن، عندما هدرت الجماهير المليونية في الميدان (ومن دون الأخوان والسلفيين) ظهرت الحقائق الكبرى: كان يمكن للثورة أن تقوم من دون الأخوان مثلما بدأت تماماً، واستلحقها هؤلاء… ليقطفوا ثمارها وحدهم! الميدان يسترجع توهجه الأول وأكثر إذ فاقت الجماهير كل التوقعات في القاهرة والإسكندرية وسائر المحافظات. وكأن الناس شعرت بأن الأخوان "خدعوها"، وأنهم بدلاً من أن يكونوا سبيلاً لتحقيق الوحدة الوطنية الجامعة، تحولوا أدوات، تقسيم، وتفرقة، وعنف، وتهديد، قد تفضي إذا ما استمر الرئيس على عناده، إلى "حرب أهلية". فهل شارك الأخوان في الثورة ليحولوها ذريعة لتمزيق الوطن؛ وهل أرادوا باستفراد الرئيس بالسلطة، وفي أكثر من مجال، واعتدائه على الدستور باسم "إعلان الدستور"، وتجاوزه القضاء، وليخلط بين هذا الأخير والسياسة. وهذا ما رفضه القضاة الذين اعتبروا قراره انتهاكاً لهم، لعدم رجوعه إلى الهيئات المختصة ومكوّنات الثورة وها هم القضاة يعتصمون جنباً إلى جنب مع الثوار ومكوّنات المجتمع المدني. كأنه يريد استرجاع زمن "عسكرة" الحياة السياسية، وأمننة العدالة، وتسييس المؤسسات، تماماً كما ارتكبه سواه من الاستبداديين. فهو وبلباس مدني يعتمر قبعة الميليشيا. أكثر يتماهى بالمجلس العسكري الذي أقال قياداته. ونظن أن الأخوان استعملوا الشعار نفسه: إما الأمن أو الخراب، أي إما نحن وإما الحروب، والهلاك. أوليس هذا ما تفوهه القذافي وبشار الأسد وصدام حسين…. التخيير بين الشرعية الدستورية وبين القتل. هذا مخيف. والأخطر من كل ذلك أن الرئيس مرسي (باعتباره رئيس الجمهورية كلها) يهدّد "بجمهوره"، المعتصمين، بل أكثر، يجعلهم "عسكره" أي بلطجيته لقمع المتظاهرين. أمر خطير. فكأنما بات هناك جمهوريتان! جمهورية مرسي، الأخوان، وجمهورية مصر للأولى "أمنها" و"جيشها" وقُضاتها ومحاموها ودستورها… وللثانية ما تبقى. عندها تصبح رئاسته بلا جمهورية، وجمهوريته بلا رئاسة. يذكرنا هنا بالرئيس "اللبناني" الأسبق إميل لحود الذي انتخب وُجدّد له على الرغم من إرادة أكثرية اللبنانيين، وكان تجديده القسري الذي فرضه بشار الأسد الذريعة الأولى لـ14 آذار ولمليونية الربيع اللبناني الذي أطاح وجود الجيش السوري كوصاية دامت أربعة عقود. وإذا كانت تجري حالياً اتصالات بين الأفرقاء لإيجاد "حلول" للمشكلة التي اختلقها مرسي، أي بين "جبهة الإنقاذ" ومكوّنات "السلطة"، فإن الجواب الذي قدمه الثوار أن لا حوار حول الدكتاتورية. أي لا حوار حول قرار فُرض فرضاً ومن دون الناس جميعاً، لا سيما أهل الاختصاص بالقوانين والدساتير. فمصر "ليست عزبة"، نعم! يتحكم "صاحبها" بالأرض والسكان والقوانين والأعراف: مصر هي الحاضرة العربية الكبرى، ذات التاريخ البرلماني العريق، منذ ثورة عرابي 1919 إلى ثورة يناير، لا يمكن أن تبدأ اليوم من نقطة "استبدادية" لتكون "نظامها" الجديد. ذلك لأن أموراً جذرية تغيّرت، فتسمية البلدان بأسماء طغاتها لم تعد واردة، كأن يستمر القول "سوريا الأسد"، أو "عراق صدام"، أو "مصر السادات"، أو "مصر مبارك"، أو "ليبيا القذافي"… وصولاً إلى "مصر مرسي"، وكأن هذه البلدان من ممتلكات "حكامها"، وكأن الشعوب تسمى بأسمائهم، والأنهر بأسمائهم، والتماثيل بأسمائهم، والمكتبات بأسمائهم، والهواء بأسمائهم، والمشاريع بأسمائهم، و"الجنة بأسمائهم" وجهنم بأسمائهم، والآلهة والأئمة بأسمائهم. أي إلى عهود ما قبل تحرر الجماهير العربية من "تابوات التقديس"، والخوف، والتردد و"الصمت من ذهب" و"القناعة كنزٌ لا يفنى" و"أضحوكة" 99,99 في المئة، والاستفتاءات المزيفة ومجتمع "السكون"، والقبول، ونظرية "الانتظار الأبدي بلا طائل". إنه زمن "الاقتحام"، زمن أخذ الحقوق بالأيدي. بالإرادات. وهذا ما لا يفقهه مرسي، مع أنه "فَقِه" ذلك وقبله، فلماذا يريد أن يقفز فوق أمجاد أن الحاكم هو الذي ينتخب الشعب، وليس الشعب من ينتخبه، وهو الذي يسن القوانين، وليس الإرادة الشعبية، وهو الذي يحل محل الدولة، والبرلمان، والحكومة والقضاة.

عرفنا ذلك في زمن كان الطغاة يحكمون وكأن البلدان بلا شعوب. ولا دساتير. ولا فصل بين السلطات ولا من يحاسب ولا من ينتقد. ولا حتى يحتجّ. ولا من يراقب. بلدان سائبة بين أيدي حكام "سائبين". فاليوم أعاد الثوار الحياة السياسية التي كانت مفقودة. حرروا الشوارع من قبضة المخابرات. وها هم اليوم وبعد قرابة مئة يوم من تولي مرسي مهماته الرئاسية يطالبون قبل كل شيء بجردة حساب: أي محاسبة الرئيس على وعوده وممارساته، لتتوج هذه المسيرة المليونية الرابع والعشرين من كانون الأول (ديسمبر)، على قاعدة رفض المنحى الدكتاتوري الذي يريد مرسي فرضه من جديد. لكن الفارق، وهذا هو الأهم، والمحرك، والجوهري، أن جماهير الثورة (بمن فيهم من اختار مرسي!) هي جماهير دينامية، حيوية، شغوفة بإنجازاتها. ولن تقبل أن "تُعلّب" من جديد أو توضع في خانات العزلة والسكون والسلبية والتفرّج. فهي وبعد مئة يوم من وجود مرسي في سدة الرئاسة تطالبه بالرحيل "الشعب يريد إسقاط مرسي" (الشعار نفسه الذي ردد أيام مبارك)، وكذلك في ساحات الربيع العربي. وعندما يهتف الناس في مليونية فاقت مليونية 28 يناير 2011 (التي أسقطت مبارك) فلأن مرسي صار النظام. أو يتوهّم أنه سيصير النظام: وهذا هو معنى الشعار: إسقاط النظام الذي يريد أن يفرضه مرسي وحده. هكذا. وكأن شيئاً لم يكن. هذا الهتاف يعني كذلك، أن جماهير الثورة، تتمتع بحضور يتزايد بين الفئات كافة، وفي كل المحافظات والمدن. بل كأن مصر هبّت كلها بناسها، وشبابها، وشيوخها ونسائها، ومثقفيها، وعمالها، لتحطيم "كأس" الدكتاتورية المتجددة التي يريد مرسي أن يُجرّعهم إياها، في وحدة قلّ نظيرها في التجارب السياسية المعاصرة. ولهذا قلنا في أول المقالة أنها المرة الأولى (أو تكاد) التي يطالب بها الشعب برحيل الرئيس بعد مئة يوم من انتخابه دستورياً. أتراها لعبة "تداول السلطة"؟ نعم! أكثر: نظن أن الديموقراطيات الغربية التي "هرمت" أو عُلّبتْ، يمكن أن تهتدي بدروس الثورة المصرية: من حيث يقظة الناس، وانتباهها واستنفارها وترصدها، وتحركها، وقراراتها السلمية. فاللعبة الديموقراطية التقليدية، تخضع لآلياتٍ تُعطلها أحياناً، أو تُضعف فاعليتها، وأقصد ديموقراطيات الانتظار. ديموقراطيات "الأحزاب" الجامدة، بتركيبها التاريخي، وتراتبيتها "الفوقية". في ميدان التحرير تضع الناس وبحسب مسؤول واع ومبادر، جمهوريتها مع الأحزاب، وليس العكس (نتذكر ثورة أيار الفرنسية 68) وإذا كانت السياسة بالمفهوم المعروف هي فن المساومة، لكن الصحيح أيضاً أن فن المساومة هذا لا ينطبق على القضايا الجوهرية، ولا يصح في التنازل عن الديموقراطية نفسها، وعن مكاسبها، وعن توجهها، وعن تطورها الدائم. ولا يصح كذلك على قبول أن تؤدي الديموقراطية إلى دكتاتورية. أي إعادة إنتاج الأنظمة البائدة. وهذا ما يعلّمنا إياه ثوار الميدان: المرصاد لكل محاولة تسعى إلى إعادة إنتاج نظام مبارك باسم مرسي أو أي شخص آخر.

هذا هو مفهوم الثورة التي تنظر إلى أمامها، ولا تقع "وراءها"، وهذا هو مفهوم "الثورة المستمرة" بلا معلّبات إيديولوجية علمانية أو دينية أو قومية. فالثورة لم تعد يا مرسي مجرد تجميع نظريات ومبادئ جامدة مقولبة جاهزة انتهت صلاحياتها: إنها احتكاك بوقائع الحياة والتاريخ والظواهر الجديدة؛ فالنظريات السابقة، أو الوصفات "الأبدية"، ترفضها أجسام الثورة، ذلك لأنها تستل مواقفها، وسيرورتها من الواقع المعيش… وليس من الكتب والدفاتر فقط.
فالثورة المصرية التي لم تطلع هذه المرة لا من الكتاتيب ولا من الورق المعفّن… تلتقي الجماهير والحياة لتأخذ منها أفكارها، وآمالها، ومستقبلها!

ولهذا، من الصعب جداً أن يستمر مرسي إذا استمر في تبني "التهويمات"، التي تربى عليها: الماضي مستنسخاً لا يصنع الحاضر ولا المستقبل!
فهل يكون مرسي في ما يأتي من أيام جزءاً من الماضي كسلفه مبارك، أو ينخرط في لعبة بناء جمهورية جديدة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل