اختلفت جمعة الأمس السورية عن سابقاتها للمرّة الأولى منذ اندلاع الثورة.. في بعض شعاراتها اولاً، وفي تزامنها ثانياً مع مؤشرات دخول الوضع برمّته في مرحلة جديدة ميدانياً وسياسياً.
بعض الشعارات التي رفعها متظاهرون في منطقة حلب ضدّ ممارسات منسوبة إلى "الجيش الحرّ" تحديداً، تدلّ إلى وعي فطري متوقّد للمخاطر الداخلية التي تهدّد مسيرة التحرّر من نظام المافيا الفئوي. وتؤشّر إلى حساسيّة بالغة إزاء الخطأ في الاداء مهما كانت طبيعته وظروفه.. وفي ذلك، تحصين مسبق ضدّ الشطط، وتدرج مبدئي (وإن كان طوباوياً) لمثل تسعى الثورة إلى إعلائها في مواجهة المثالب والانحطاط في المفاهيم والقيم والممارسات التي حكمت وتحكّمت بسوريا على مدى العقود الخمسة الماضية.
ترف التسامح وغضّ النظر، غير متوفر، خصوصاً في ظلّ معركة تعتبر واحدة من أهم محطات عالم اليوم على وسعه وانتشاره، وفي مواجهة آلة استئصالية فالتة بكل زخمها وقوّتها وإجرامها.. ولكن رغم استحالة تجنّب الخطأ الملازم للطبيعة البشرية المتحفزة والمتحرّكة والقلقة والمقاتلة، فإنّ إطلاق التحذير من تبعاته هو خطوة أولى صحيحة وفي مكانها، باتجاه منع تحوّل ذلك الخطأ العابر إلى خطيئة مميتة.
.. جمعة الأمس في كل حال، أكدت من جديد أن القطار السوري يسير باتجاه واحد، وهو وصل أو يكاد إلى أخطر محطاته ميدانياً مع فتح معركة دمشق وتوسيع جغرافية المناطق المحرّرة من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب. ومع بدء استخدام صواريخ أرض جو وغير ذلك من أسلحة نوعية جُلّها غُنِمَ من مخازن وثكنات ومواقع قوّات السلطة.
ليس صعباً الافتراض، انّ ذلك يعني انفتاح الأفق على شراسة دموية آتية ستكون أصعب بما لا يُقاس من كل ما شهدته سوريا حتى الآن. خصوصاً أنّ أخبار الجانب السلطوي تتحدّث بدورها عن استعدادات وحشودات وسيناريوهات كبيرة.. وهذه وإن كانت نتيجتها خائبة حُكماً وسلفاً، فإنّها ستعني المزيد من الارتكابات والمذابح والجرائم في سياق المحاولات اليائسة لسلطة تخوض معركة حياة أو موت.. والفناء فيها طاغ على البقاء.
تعرف سلطة الاسد أنّ التحرك المضاد لها ميدانياً يترافق مع تحرك اقليمي دولي يتطوّر بسرعة باتجاهات تصعيدية أوضح من السابق، بدءاً من واشنطن كما كان مرتقباً بعد الانتهاء من موسم الانتخابات الرئاسية، وأنّ ذلك التحرك يستند إلى خلاصات كبرى، تقول أبرزها إنّ عملية إنضاج وتظهير البديل من السلطة الأسدية اكتملت أو تكاد، وان تقاطع المصالح الاقليمية والدولية يفرض التسريع في الحسم وحصر النكبة في اطارها الجغرافي الراهن.
.. تعرف سلطة الاسد تلك المعطيات وتحاول وستحاول (من جديد) الرد عليها بعنف هستيري، رغم أنّ عنفها المنفلت منذ عشرين شهراً، أوصلها إلى "نجاحات" انتقلت معها خطوطها الدفاعية إلى أبواب دمشق نفسها!