#dfp #adsense

إنو مشاوي… عادي… والشباب

حجم الخط

لأننا بلد المبادرة الذاتية، والحكم الذاتي، ولأن وزارة الطاقة أضحوكة مُبكية، وجدَ اللبنانيون ضالّتهم في شراب الطاقة. انقطع الحَيْلُ وساءت الأحوال، فازدهرت ماركات شراب الطاقة وراجت في علب الليل. إنها علب معدن صغيرة، قامت مقام الثلاثين وزيراً، ونجحت حيث فشلوا. عندما تصل إلى عملك مرهقاً من ازدحام السير، كيف تُجالد على ثماني ساعات عمل؟ إكرع شراب الطاقة.

انتهى عملك في النهار، ولأن الراتب لا يكفي، أنت تعمل في الليل أيضاً. كيف تقاوم النعاس؟ إكرع شراب الطاقة ولا تركع. وشراب الطاقة في لبنان مصنوع وفق مقتضيات الوفاق الوطني، ويلبّي قواعد العيش المشترك، فهو متوافر في كل محافظات الطوائف ومدنها وقراها، ودكاكينها.

منه بلا كحول، وحلال. ومنه على فودكا، أو الفودكا عليه. لا فرق. منه لعودة الشيخ إلى صباه، كما في أحد الإعلانات التلفزيونية، ومنه للمساجين، كما في إعلان آخر. والمساجين في لبنان، دائمو الحضور في يومياتنا. فهم يتواصلون معنا هاتفياً من داخل زنزاناتهم في روميه. يحاضرون في علوم السياسة والدين. يُضرِبون عن الطعام. ويَضرُبون رجال الأمن. يدخلون ويخرجون. يبيعون ويشترون.

إذا كنت تعاني الازدحام الدائم في "السيتي مول" نهر الموت، أكمل بسيارتك صعوداً إلى سوق روميه، هناك تجد شراب الطاقة وحشيشة الكيف. إكرع ولا تسأل كيف؟ أزال شراب الطاقة الفروق الطائفية والطبقية بين اللبنانيين، وفرز الشعب بين عجزة يريدون أن يكونوا "منتصبي" القامة، ومساجين محكومين بالإعدام، ويريدون الهروب من جمهورية روميه الممتدة على مساحة 10452 كلم2.

أما أكثر الإعلانات تعبيراً عن الحال اللبنانية فهو إعلان " إنو مشاوي… عادي… والشباب". يبدأ الإعلان بالضحك، أي بالسعادة التي يُفترض أن تحققها الحكومة لشعبها، وليس تلك العلبة الصغيرة. ثم يظهر رأس غزال على رأس شاب. المغزى أن الضحك في ايامنا هذه، غير متاح إلا لمن يضع رأس حمار. في قريتي كانوا يقولون: الجهل نعمة! على وقع الضحك تبدو في الصورة أربع سمكات أو خمس تضحك "من الفحم".

في تفسير الأحلام السمكة رمز للرزق. ولكن سمكات الإعلان لا تؤكل، لأن المَشوى العصري يفتقد الفحم أو الغاز. والغاز مسؤولية وزارة الطاقة. ولو كانت وزارة الطاقة تعمل بكل طاقتها لما احتاج الشباب إلى شراب الطاقة. ثم إن الغاز لا يزال في قعر البحر، وبعد قرن سنبدأ أعمال الحفر، إذا تركت لنا إسرائيل وقبرص وتركيا وسوريا، ما يكفي لفرن، في مطبخ، في بيت، في مكان ما من لبنان. فجأة يرنّ الهاتف الخَلوي.

ولأنّ المُحادثة لثوانٍ فقط، لن ينقطع الاتصال. الهاتف في لبنان ورقة نعي. إذا رنّ تتنهد وتقول: "خير". في ضوء هذه الوظيفة لهواتفنا، وقف شعر الشاب وتغيّرت ملامح وجهه، وهو يسمع صوت صديقته. والصديقة التي تطل علينا، هي أصدق صورة عن الفتاة اللبنانية. دلال على جمال، على رقبة مفكوكة! ثمة من فك رقبتها، وحبسها في البيت تعتني بأظفارها. عودةٌ إلى الشباب.

تدور مشاهد الإعلان في ما يُشبه مَسبحاً فارغاً من المياه. المياه من مسؤولية وزارة الطاقة والمياه، ولو لم تكن المياه مقطوعة، لما انقطع الحَيْل، ولما احتجنا إلى شراب الطاقة! ثم إنّ المسبح الفارغ يدلّ على موسم سياحي مرّ قاحلاً ماحلاً هذه السنة. ولأن اللبناني مُبدع، حَوَّلَ مَسبحَ الأشباح مَرتعاً للشباب.

وها هم الشباب يضحكون، ومن قلوبهم، نكاية بوزير السياحة اللبناني، الذي يريد تأديب السياح العرب والهيئات الاقتصادية، لغاية في نفسه. هذا الوزير يعمل لدى معظم القنوات التلفزيونية والإذاعية بدوام يستمر إلى ما بعد منتصف الليل.

لا عطلة ولا أعياد ولا آحاد. ولأن المطاعم تعاني شحّاً في الزبائن، وعلى طريقة "العونة"، الدارجة في السياسة والطبخ، يفكّر وزير السياحة في صحن حمّص مركزي، تغرف منه المطاعم توفيراً للتكلفة والوقت. المأساة أن شباب الإعلان استمروا في الضحك، عندما سألت الفتاة هل صديقها "يتسلى بلاها".

لو كانت زوجته لَعَذَرْتُهُ. يبدو أن الفودكا عوَّضت غياب الجنس اللطيف عن الحفل، فضحكت الفودكا، وشرّ البلية ما يُضحك. الإعلان يغمز من قناة الأجهزة الأمنية ووزارة الاتصالات."لما التلفون بيكون ملغوم، ممنوع يفقع فيك". هذا يعني أن البنت "المفكوكة رقبتها"، عندها صديق آخر يسلّم إليها "داتا الاتصالات"، فتعرف تحرّكات صديقها الغاطس بعدة الغطس في مسبح ناشف! الشاب إذاً من 14 آذار ومغرم بفتاة من 8 آذار.

وفي أصدق مشاعر التكاذب الغرامي بين الآذارَين، يضحك الشاب من سذاجة صديقته، و"تهزأ" الصديقة الخبيرة بصديقها غير الصدوق، والمناهض لجماعة الوعد الصادق. "التلفون ملغوم وبيفقع".

كان من المُفترض أن يتضمّن الإعلان مشهداً لمجلس الأمن المركزي، بحضور مدّعي عام التمييز، معطوفاً على مشهد يبدو فيه وزير الداخلية، وهو يطلق أسراب الحمام الأبيض في شوارع آل الأسير وآل مقداد، ثم يمسح جبينه ويشرب من شراب الطاقة، تعبيراً عن أن "الوسطيين" أيضاً يحتاجون إلى الطاقة. ولكن الشركة المُنتجة تركت هذا المشهد، لإعلان آخر سيشارك فيه وليد جنبلاط تحت عنوان: "أَخْرُجُ من الباب وأَدْخُلُ من الطاقة… والفضل لشراب الطاقة".

والفضل شاكر. أما إعلان الجارة راقصة الفلامنكو، فقصة أخرى. بسبب ضعف الطاقة، "طق الديجنكتور". وليستفيد الجار المغرم من مصائب وزارة الطاقة، يعرض الزواج على الجارة الشقراء، مبدياً رغبته في إنجاب ستة أولاد. ستة رقم معقول، فماذا سيفعلان في الليالي غير الإنجاب إذا كانت الكهرباء مقطوعة؟ وطبعاً، ليقوم بواجباته الزوجية، هو في حاجة إلى شراب الطاقة! في إعلان آخر لماركة أخرى، شراب الطاقة "بيعطيك جوانح".

ولكنّ ميشال عون المعادي لمنتجات الغرب المستكبر هذه الأيام، أنزل إلى الأسواق الأربعاء المنصرم، شراباً فاسداً على برتقال "بيعطيك أذناب". السلعة خضعت لمختبرات الرابية. وأعطت نتائج ملموسة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل