ليس هناك علاقة سياسيّة أشدّ التباساً وبساطةً في آن، من علاقة "حزب الله" بوليد جنبلاط:
ملتبسة في خلفيّتها، وبسيطة في ظاهرها أو ترجمتها.
خيط رفيع يربطهما، علناً، هو الحكومة المشتركة. شعرة معاوية باقية، ولكنّها مهدّدة بالإنقطاع في أيّ لحظة.
وانقطاعها لا يعني بالضرورة استعادة العلاقة القاتلة بين يزيد بن معاوية والحسين بن علي، أو الليلة الدمويّة من الشويفات إلى أبواب عاليه وقمم معاصر الشوف في 10 و11 أيّار 2008.
الإلتباس في العلاقة ناشىء من الإحتقانات المكبوتة منذ تلك الليلة، بل قبلها، ومن محاولات "حزب الله" المستمرّة للتمدّد على أطراف الجبل، وفي عمقه. وقد جاءت حادثة بقعاتا – الشوف قبل أيّام نذيراً بتفاعل هذه المكبوتات ، برغم طمسها في مهدها.
وهو ناشئ كذلك من أسلوب فرْض الحكومة الراهنة، عبر القمصان السود المسلّحة، ليس فقط في شوارع بيروت، بل على أبواب عاليه أيضاً.
ومن يقرأ ترميزات جنبلاط وإصاباته الموجعة لـ"حزب الله"، في مؤتمره الصحافي الأخير، يكتشف عمق الحذر المقموع، ولا يسَعُه إلاّ مقارنة علاقته بالحزب مع علاقته الطويلة الملتبسة مع نظام آل الأسد: تحالف من فوق، ضرب في الخواصر من تحت. حبّ على حقد. غزل سياسي مفخّخ بتربّص أمني… إلى أن تحين ساعة الفراق الأخير.
أمّا بساطة علاقتهما فناتجة عن المصلحة المتقاطعة في تبادل منافع المساكنة داخل الحكومة. وهذا التقاطع مستمرّ حتّى اليوم، ولكنّه محكوم بالإنفصال في غضون أسابيع، بسهولة فكّ زواج المتعة.
لم يبقَ "حيط عَمَار" بين الفريقيْن إلاّ عقْدُ الزواج الحكومي بالإكراه "اللذيذ". ومفعول الضغط بدأ يخفّ بعد مرور 4 سنوات ونصف، حتّى الزوال. والبحث جارٍ بجديّة عن عقْدٍ بديل لا إكراه فيه.
إذاً، نحن أمام مرحلة متوسّطة تُفضي حكماً إلى رحيل الحكومة. فتنفتح علاقة جنبلاط بـ"حزب الله" على توازن جديد يتناسب مع تعديل الميزان السياسي في اتّجاه متغيّرات لبنان وسوريّا وغزّة، وصولاً إلى إيران.
وإذا سلّمنا بقدرة جنبلاط على تَنَسُّم حركة الريح في المنطقة، مع التحفّظ أحياناً لناحية تأثّر قدرته هذه بالضغط المحلّي (كما بعد 7 أيّار)، فإنّ الوضع اللبناني مقبل على تغيير سياسي فعلي، يبدأ بحكومة جديدة، ويتظهّر في موازين القوى التي ستفرزها الإنتخابات.
وليست إعادة تشكيل التحالفات، على مستوى المنطقة، من لبنان إلى غزّة، ومعاني الإنفتاحات النوعيّة التي حصلت وستحصل، سوى إشارة واضحة إلى اتّجاه القوّة.
فبين ارتباك "حزب الله" في ضاحيته وبيئته وظواهر تأزّمهما (من حركة آل المقداد إلى الإنفجار الغامض في حارة حريك والتململ في بعلبك – الهرمل…)، وخواء محور "الممانعة والمقاومة" الذي ينتسب إليه، وبين تخبّط حلفائه المحلّيّين لمجرّد كلمة من البطريرك الراعي عن الإنتخابات، وتهافت شعبيّتهم في النقابات والجامعات والإستطلاعات، وانكشاف خلايا الفساد من المرفأ والمطار، إلى الدواء والكهرباء والاتصالات والمخدّرات وصفقات السدود وتسيّب الحدود… ترتسم معالم المرحلة الآتية.
وليس صعباً على القارئ اليقظ، وليد جنبلاط، توجيه منظاره نحو هذه المرحلة.
وقد وضع إحداثيّاته فعلاً، وبدأ يقيس المسافة اللازمة عن "حزب الله"، من الشويفات والسعديّات إلى السويداء، وجرمانا في ريف دمشق. ومنها إلى "الأكثريّة" السياسيّة الطارئة.
وليست دعوته دروز سوريّا للإلتحاق بصفوف الثوّار، سوى رسالة بليغة في اتّجاه الداخل اللبناني، و "حزب الله" قبل سواه.
فأيّ علاقة يُمكن أن تستوي وتستقرّ بين طرفيْن يتهادنان في لبنان، ويتحاربان في سوريّا؟!
على من يتلقّى الرسالة أن يتبصّر، فلا تفاجئه عودة يزيد، إذا أصرّ على قطع شعرة معاوية مع الشعب السوري ، وأوغل في محاربته.
والمعادلة واضحة: قطْع شعرة معاوية يأتي بيزيد.