لا يمكن للوضع في الشرق الأوسط أن يستقيم من دون تغيير في سوريا. مثل هذا التغيير أكثر من ضروري في حال كان مطلوباً أن تكون في الشرق الأوسط دول طبيعية تتعاطى مع الواقع بديلاً من وهم الدور الإقليمي الذي لا وجود له. والكلام هنا عن دول يؤمن حكامها بأنّ عليهم بناء أنظمة ديموقراطية حقيقية بدل الجمهوريات التي تتحكّم بها الأجهزة الأمنية التي تديرها العائلة والتي لا همّ لها سوى الدفاع عن مصالح مجموعة معيّنة تمسك بكلّ مفاصل السلطة.
نجح النظام السوري عملياً في تخريب المنطقة كلّها، لا لشيء سوى لضمان بقاء حافظ الأسد في السلطة وكي يتمكن بشّار الأسد من وراثة والده حماية لمصالح العائلة وكلّ ما هو متفرّع عنها. خرّب النظام الذي أقامه حافظ الأسد سوريا التي عرفناها والتي كانت مؤهلة لأن تكون الدولة الصاعدة عربياً والمثال الذي يُحتذى به في الشرق الأوسط. هجّر النظام السوري أفضل السوريين من سوريا وخيرة اللبنانيين من لبنان. لم يترك مكاناً سوى للشبيحة المحيطين بالعائلة يجمعون بشراهة، ليس بعدها شراهة، ما تتركه لهم من فتات.
ما نراه اليوم من شبيحة يعتدون على السوريين في كلّ أنحاء البلد هو تتمة لما كان يحصل قبل اندلاع الثورة التي فاجأت، أوّل ما فاجأت أركان النظام الذين اعتقدوا أن الشعب السوري صار مدجّناً وأنه لن يستطيع الاعتراض يوماً على حكم العائلة. شبيحة اليوم الذين يعتدون على الناس هم النتاج الطبيعي لشبيحة الأمس في بلد تحكّم به نظام لا يؤمن سوى بإلغاء الآخر.
حاول النظام السوري في مرحلة معيّنة نقل تجربته الى دول أخرى في المنطقة. نجح في لبنان ونجح نسبياً في فلسطين وفشل في الأردن حيث تصدّى له الملك حسين، رحمه الله، ثم الملك عبدالله الثاني الذي سعى مراراً الى إفهام بشّار الأسد أن الطريق الذي يسلكه سيقود سوريا الى الخراب ولا شيء آخر غير الخراب. وقد وعد الأسد الابن مرّات عدة بأنّ يغيّر سلوكه، خصوصاً بعدما شرح له العاهل الأردني، بأسلوب ديبلوماسي طبعاً، المخاطر الناجمة عن تحوّله أداة إيرانية. كذلك قدّم له شرحاً عن الوضع الداخلي وخطورة نمو الحركات الدينية المتطرفة وابتعاد المجتمع السوري عن الوسطية. بدا أن بشّار يتفهّم أن الوضع السوري في غاية الدقة والسوء. لكنّ الذي حصل أن كلام الليل كان يمحوه النهار بعد كلّ لقاء بين الرجلين.
تبيّن أن هناك خطوطاً معيّنة ليس في استطاعة الرئيس السوري تجاوزها. على رأس هذه الخطوط الحمر العلاقة السورية- الإيرانية التي تغيّرت طبيعتها منذ ما قبل وفاة حافظ الأسد، خصوصاً مع بدء انتقال السلطة، كلّ السلطة، بشقيها السياسي والاقتصادي، الى أفراد العائلة.
لم يستطع الرئيس السوري استيعاب ما يدور فعلاً على أرض سوريا. لم يفهم يوماً أن ليس في الإمكان التباهي بوجود نظام علماني في سوريا في الوقت الذي تقف فيه سوريا مع حزب مذهبي تابع لإيران في لبنان، حزب لا همّ له سوى المتاجرة بلبنان واللبنانيين وتحويل بيروت ميناء إيرانياً على المتوسط والاستحواذ على قرار السلم والحرب في الوطن الصغير.
ما لم يستطع الرئيس السوري استيعابه يوماً أن السوريين ليسوا بالغباء الذي يعتقده وأنهم على علم تام بأنه يتاجر بفلسطين والفلسطينيين من أجل تغطية العلاقة المريبة مع النظام الإيراني، وهي علاقة ذات طابع مذهبي أوّلاً وأخيراً. لم يعد لدى السوريين، واللبنانيين طبعاً، أي شكّ في ذلك بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من شباط- فبراير 2005.
نعم، لا يمكن تغيّر الوضع في الشرق الأوسط نحو الأفضل من دون رحيل النظام السوري. إنه نظام فوّت على الفلسطينيين كل فرص التسوية المشرفة. إنه نظام يفتخر بأنه استطاع تفخيخ مبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت في العام 2002 بعدما أصرّ على تعديل البند المتعلّق باللاجئين الفلسطينيين وحق العودة بطريقة تجعله غير ذي فائدة تذكر.
تكمن المشكلة الآن، بعد عشرين شهراً على اندلاع الثورة في سوريا، في أنّ النظام السوري يبدو مصرّاً على تدمير سوريا قبل أن يرحل عنها. تلك هي مأساة سوريا وتلك هي المفارقة التي يعيشها هذا البلد العربي المهمّ الذي باتت وحدته مهددة أكثر من ايّ وقت.
يبدو أن النظام السوري وضع لنفسه مهمّة معيّنة تتمثل في تدمير سوريا. ولذلك نراه مصرّاً على عدم الرحيل واختلاق الأعذار التي تسمح له بمتابعة عملية تفكيك الكيان السوري. إنه يدرك قبل غيره أن في سوريا أزمة نظام وكيان وأنّه لن يقبل برحيل النظام من دون تدمير الكيان. ما نشهده حالياً، للأسف الشديد هو تدمير للكيان في ظلّ إفلاس النظام. ولذلك، كان السيد الاخضر الابراهيمي مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية على حق عندما أبدى مخاوفه من تحوّل سوريا الى صومال جديدة.
بات مصير النظام السوري محسوماً. لم يعد السؤال هل يبقى النظام السوري أو يرحل. السؤال هل في الإمكان إنقاذ سوريا من نظام مدعوم من روسيا وإيران لا همّ له سوى إكمال مهمة موكولة إليه تتمثّل في الانتهاء من سوريا؟
من الواضح أن الهدف من متابعة النظام حربه على الشعب السوري تأكيد نظرية أن رحيل النظام نهاية لسوريا. ذلك هو التحدي الأكبر الذي يواجه السوريين في المرحلة الراهنة. عليهم إثبات أن سوريا دولة قابلة للحياة وأن مستقبلها غير مرتبط بالنظام بأيّ شكل من الأشكال.