لم تعد مضاعفات حالة التخبط السياسي، والاضطراب الأمني التي يعيشها لبنان منذ فترة، مقتصرة على تردّي الأوضاع الداخلية وحسب، بل أصبحت من أهم أسباب تراجع الاهتمام العربي بالشقيق الصغير، والانصراف عن متابعة شجونه ومشاكله، التي ما أن تخبو قليلاً، حتى تشبّ نيران الخلافات لإشعالها من جديد.
مسؤول خليجي مخضرم، عَرِف لبنان «واحة ديمقراطية، ورئة حرية، واقتصاداً مزدهراً»، يتساءل والحسرة تسبق كلماته: «ماذا فعلتم ببلدكم يا لبنانيون؟ أين لبنان الأمن والاستقرار والازدهار الذي عرفناه في الستينات ومطالع السبعينات من القرن الماضي؟ على ماذا تُراهنون في خلافاتكم المزمنة والمستديمة؟ وإلى متى يتحمل إخوانكم العرب نتائج نزواتكم السياسية والعسكرية، والتي غالباً ما تكون موحى بها من الخارج؟».
ويخلص المسؤول المثقّف إلى القول، وكأنه يودّع البلد الذي طالما أحبه، على حدّ قوله: «لبنان الذي نعرفه لم يعد موجوداً، ولا تستغربوا إذا شعرتم بأن «رَبعَنا» لم يعودوا يتحمسون لمساعدتكم على تجاوز أزماتكم!».
* * *
أينما ذهبت في عواصم القرار الخليجي، تستنتج بسهولة من كلام محدّثيك، بأن بلد الأرز لم يعد من أولويات دول الخليج العربي، التي تركّز اهتمامها هذه الأيام، على التطورات الساخنة المحيطة بها، بدءاً من سوريا المفجوعة، إلى البحرين المضطربة، وصولاً إلى اليمن غير المستقرة، فضلاً عن المخاطر المتزايدة من جموح الجار الإيراني، وإمساكه بتلابيب بلاد الرافدين، ودفاعه المستميت عن حليفه في دمشق، ونفوذه المتزايد في لبنان!
غير أن أخطر ما في التوجهات الخليجية الجديدة تجاه البلد، أنّ تراجع الأولويات لن يقتصر على الوضع السياسي، بل قد ينسحب أيضاً، وبقوة ملحوظة، على الإقبال الاستثماري والسياحي والمالي، على اعتبار أن الوضع الأمني في البلد يُعاني من حالة اضطراب مستمرة، قضت في الأشهر الأخيرة بمنع الرعايا الخليجيين من التوجه إلى بيروت، وبالتالي فإن المناخ العام في البلد غير مؤاتٍ للاستثمارات الخليجية، التي يهمّ أصحابها بالبحث عن الأمان والضمانات لتحقيق الأرباح، وتوفير النجاح لمشاريعهم.
وثَمة من يُؤكّد بأن التوجهات الجديدة جدّية، وستنعكس آثارها السلبية سريعاً على الاقتصاد اللبناني، الذي بدأت معاناة بعض قطاعاته، وخاصة العقارية والسياحية، تظهر إلى العلن، بمجرد امتناع المصطافين الخليجيين عن المجيء إلى لبنان في موسم واحد، فكيف سيكون الحال، عندما تصل المقاطعة إلى مجال الاستثمارات!
* * *
وإزاء التقييم السلبي الحالي للوضع اللبناني، وتفاقم الحرب الدائرة في سوريا بين المعارضة والنظام، وعدم استقرار النظام الجديد في القاهرة، يبدو أن إمارة دبي ستكون الوجهة المفضلة للاستثمارات الخليجية، خاصة السعودية، والتي كانت، حتى الأمس القريب، ناشطة في بيروت ودمشق والقاهرة.
وغني عن القول إن مضاعفات الاهتمام الخليجي بالوضع اللبناني، يتحمّل مسؤولياتها الأفرقاء السياسيون اللبنانيون، وفي مقدمتهم الحكومة الحالية، ومكوناتها الحزبية المختلفة، والتي تنتمي بمعظمها إلى 8 آذار، والتي يمكن القول، إن طريقة تشكيلها، والإطاحة بحكومة الحريري، شكّلت بداية المنعطف في العلاقات الخليجية، والذي وصل إلى حدّ انعدام الثقة بالوضع اللبناني برمته!
ولا نذيع سراً إذا قلنا أن رئيس الحكومة كان أوّل من استشعر برياح الابتعاد الخليجي عن لبنان، فلم تنفع محاولاته في تغيير وجهة الرياح، ولم تساعده مكونات حكومته، والتزاماتها الإقليمية، خاصة مع إيران، في تفادي الوقوع في هذا المحظور، الذي من شأنه أن يزيد الأزمة الاقتصادية في البلد تعقيداً!
* * *
وربّ سائل: ما العمل لتجنّب الابتعاد الخليجي عن البلد..؟ وهل تغيير الحكومة الحالية يُعيد العلاقات إلى وضعها الطبيعي مع دول مجلس التعاون الخليجي؟
مواقف الرئيس ميشال سليمان أثارت بعض الاهتمام، في دوائر صُنّاع القرار الخليجي، الذين يُدركون جيداً بأن اللعبة ليست عند رئيس الجمهورية وحده، بقدر ما هي تتجسّد بالأزمة السياسية المستفحلة حالياً، والناتجة عن الخلل الفاضح في توازنات المعادلة الوطنية، بعد الإبعاد المتعمَّد لفريق 14 آذار عن المشاركة في إدارة الدفة السياسية في البلاد، إثر إبعاده عن المشاركة في الحكومة الحالية، واقتناص الأكثرية النيابية من صفوفه، عبر الضغوطات المعروفة التي تعرّض لها النائب وليد جنبلاط .
غير أنّ هذا الواقع لا يُعفي الحكومة الحالية، رئيساً ومكونات، وفي المقدمة الرئيس نبيه برّي، من مسؤولية البحث الجدي في إصلاح خلل المعادلة الداخلية، والعبور إلى التغيير الحكومي، والعمل على تشكيل حكومة متوازنة، ومقبولة من الجميع، لتمرير الاستحقاق الانتخابي في الربيع المقبل، حتى لا يشعر اللبنانيون، بأكثريتهم الساحقة، ومعهم الأشقاء العرب، بأنّ لبنان بحاجة إلى «ربيع آخر» بعدما تمّ إجهاض انتفاضة ربيع 2005!
* * *
من المُحزن فعلاً، أن العالم حولنا يتغيّر، والعديد من الأُمم والدول تتقدّم إلى الأمام، وساسة لبنان غارقون في خلافاتهم وانقساماتهم إلى حدود انتحارية غير مسبوقة في بلد كان يوماً في هذا الشرق: واحة ديمقراطية ورئة حرية!!