#adsense

هشلت بربارة وبقي المقنعون (بقلم فيرا بو منصف)

حجم الخط

طنجرة القمح تفقفق على النار. امي تحضّر الزلابية والمعكرون والعويمات، تعاونها جارتنا. معا ينجزان حلوى العيد قبل المساء. نحن ننهمك بهم أكبر، هم كبير يضنينا، بماذا نتنكّر؟ هو عيد البربارة. في الضيعة كانت الخيارات محدودة وبيروت بعيدة بعيدة جدا، لكن التتخيتة هي الاقرب. نغرق في صندوق الثياب العتيق، وننتشل ما لم يفسده الدهر والعث. رائحة النفتلين. من يذكر النفتلين؟ تلك الحبوب البيضاء التي كانت توضع في السجاد لابعاد الحشرات وكنا نظنها ملبّس ع قضامة، ونهرع بكامل غبائنا الطفولي لالتهامها قبل أن تنتشلها امي من يدنا وهي مذعورة.

من الصندوق ننتشل ثوبا من عمر الخبز لجدتي، أو شروالا سبق التاريخ لجدي، ونصنع زيا تنكريا بالتي هي أحسن، وأحلى ما في الحكاية هو تلك البهجة البلهاء العظيمة، لاننا سنستعمل قلم الكحل الاسود لضرورات التنكر وأحمر الشفاه!! هي من المرات النادرة التي كانت تسمح امي لنا باستعمال أشيائها الخاصة… وتخرج وجوهنا من تحت أيادينا البرئية، وجوها مفركشة غير مفهومة المعالم، لا هي وجوه نساء ولا حتى رجال، المهم تنكرنا، ونسرح في زواريب الضيعة نرقص ونطبّل ونزمّر على بركة الله، والغلة؟ ليس بالكثير الذي كنا نطمح اليه، لكن أكيد تخمة عويمات…

في الضيعة لم نكن نفهم بالوجوه المقنعة حتى في الايام العادية، كنا أبرياء لدرجة الغباء.على الاقل أنا. لم نكن نفهم بالسياسة، ولم تكن السياسة هي بطلة يومياتنا. نجول الضيعة ونغني "هاشلة بربارة مع بنات الحارة والقمح بالكوارة". الطقس دائما كان يخيّب أملنا اذ لم يمر عيد للقديسة بربارة من دون أن تمطر، "بعيد البربارة بتطلع المي من قدوح الفارة" نردد المثل أيضاً ببغائياَ ويجهد ابي لتفسيره لنا، ومن يجرؤ أن يقول انه لم يفهم؟؟

تغيرت الايام. عيد البربارة كانت مرتبطا بذاكرتنا الشعبية الحلوة، فصار ملازما لاداء السياسيين!! تصوروا هذه النقلة "الحضارية"!! ما زلنا نسلق القمح، لكننا نشتري العويمات والمعكرون، اما الزلابية تخبزوا بالافراح صارت من الذكريات، قال مضرّة بالصحة لكثرة ما تغبّ من الزيت.

الزلابية تشبه السياسيين بأدائهم، يغبّون من جيب الدولة ويصرخون لنجدة الفقراء! هذا قناع، أحلى الاقنعة ادّعاء المثالية. في عيد البرارة ماذا نُلبسهم؟ او السؤال الاصح اذا خلعنا عن وجوههم الاقنعة ماذا نرى من تحتها؟ يا للهول…لعل محمد رعد "أبو الهول"، يناجيه خَفْرَع أو "زيت خروع" المقابلات التلفزيونية نبيل نقولا. جبران باسيل "بالوع" الوزارات الخدماتية، مروان شربل ألبسَه اللبنانيون وجهه قبل عيد البربارة، "أبو ملحم" الداخلية، عدنان منصور "فطّوم" الخارجية، فايز غصن "أبو سليم"، نقولا الصحناوي "سندريلا" الاتصالات، غازي العريضي "ابو العبد"، نجيب ميقاتي "ام العبد"، حسين الموسوي "السلطان سليمان"، زياد أسود "السلطانة هويام"، حسن نصرالله "الملاك جبرائيل"، ميشال عون "مار الياس"، الحكومة فرقة حسب الله لشفط دهون الدولة…

وأترك بقية الطاقم لخيالكم الغزير كأمطار كانون التي تتدفق دائما في ذكرى القديسة بربارة، التي ربما نالت لقبها "هاشلة بربارة" في لبنان أكيد، لكثرة ما تعثرت بالوجوه المقنّعة في وطن أدمن الاقنعة، وحين ينزع احداها يتوه في الحقيقة. هشلت بربارة وبقي المقنّعون…
 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل