أطلّ علينا رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون خلال مأدبة غداءٍ لهيئة قضاء عكّار في "التيار الوطني الحرّ" من جبيل الأحد 2 تشرين الثاني 2012، ليعترف على الملء من حيث لا يدري أنه كان دائماً على "خطأ".
أولاً، ومن حيث الشكل، إنها المرّة الأولى التي يطل فيها علينا الجنرال معترفاً بخطأ ارتكبه، أو ربما هو لم يدرك حتى الآن أن ما قاله هو بمثابة اعتراف بالخطأ. في كل الأحوال المهم أنه قالها بالفم الملآن، ولن يتمكن من اتهام أي أحد بتحوير كلامه أو اجتزائه.
ثانياً، وفي المضون، فقد قال الجنرال: "لم تتوقّف الأحداث الدّامية إلاّ بلقاءٍ حواريّ توصّلنا من خلاله إلى حلّ". هنا كان يقصد بـ"الأحداث الدّامية" الحرب الأهليّة اللبنانيّة، وبالـ"لقاءٍ حواري" اجتماع النواب اللبنانيين في مدينة الطائف السعوديّة برعاية عربية- دولية، وبـ"حلّ" أنهى الحرب واسمه اتفاق الطائف.
لنعد صياغة الجملة بالتعابير الأصليّة كي نخرج الجنرال من ديماغوجيّته المعهودة، فتصبح الجملة: "لم تتوقف الحرب الأهليّة اللبنانيّة إلا بلقاء النواب اللبنانيين في مدينة الطائف في السعوديّة الذي توصلنا من خلاله إلى الحلّ عبر اتفاق الطائف". أي أن الجنرال اعترف لنا من حيث لم يدر أن "اتفاق الطائف" كان فعلاً هو الحل الوحيد لإيقاف الحرب الأهليّة اللبنانيّة التي لم تكن للتوقف لولا هذا الإتفاق… شكراً جنرال أنك اعترفت أن خيار "القوات اللبنانية" بدعم "الطائف" لإيقاف دوامة حروبك كان صائباً…
وتابع عون: "قد يكون ذلك الحلّ جيداً أو لا، ولكنّه أوصلنا إلى بسط الإستقرار في لبنان، وعلى أمل أن نتوصّل إلى معالجة العيوب التي تشوبه". وبهذا الكلام اعترف لنا الجنرال بأهم مزايا اتفاق الطائف هي "بسط الإستقرار في لبنان" من دون إغفال وجود عيوب تشوب هذا الإتفاق. فالكمال عند الله فقط.
ثالثاً، ومن باب المساءلة المشروعة، يحق لنا أن نطرح سلسلة أسئلة:
– هل يمكن للجنرال أن يشرح لنا تعنته ورفضه لإتفاق الطائف، الذي سبب هجرة أكثر من 300 ألف واستشهاد أكثر من 3000 مسيحي بالإضافة إلى مليارات الدولارات من الخسائر على الصعيد الاقتصادي، بعد شنه حرب الإلغاء على "القوّات اللبنانيّة" جراء موافقتها على الإتفاق؟
– هل يمكن للجنرال أن يشرح لنا تعنته ورفضه لإتفاق الطائف، الذي تسبب بمقتل رئيس جمهوريّة لبنان رينيه معوّض، والذي تصدّر اسمه لائحة الأسماء الخمسة التي حملها المبعوث الأميركي ريتشارد مورفي من بكركي بإجماع المسيحيين الى دمشق ورفضها الرئيس الراحل حافظ الأسد؟ لماذا اتهم عون الرئيس الشهيد رينيه معوّض بالخيانة يوم انتخابه ليصبح لاحقاً الحليف الأول لإميل لحود؟
– هل يمكن للجنرال أن يشرح لنا تعنته ورفضه لإتفاق الطائف، الذي تسبب بمقتل عشرات الجنود في الجيش اللبناني وأسر المئات في عمليّة 13 تشرين الأول 1990؟
– هل يمكن للجنرال أن يشرح لنا كيف يجرؤ على الوقوف والإعتراف بأن اتفاق الطائف هو الحلّ اليوم وفي أواخر سنة 2012 بعد 22 عاماً على رفضه، والتسبّب بكل الأذى الممكن للمسيحيين نتيجة رفضه "الطائف" كما زعم مراراً وتكراراً؟
لا مشكلة بالإعتراف بالخطأ فهو من الفضائل، إلا أن اعتراف الجنرال اليوم يجب أن يكون مقروناً باعتذار عما ارتكبت يداه. إذ لا يمكنه أن يطل علينا بعد 22 عاماً ليقول إن اتفاق الطائف هو الحل وكأن شيئاً لم يكن، لا كأنه ضرب القوة المسيحية السياسية والعسكرية والاقتصادية ليخدم السوريين عبر إدخال المسيحيين منهكين الى عصر "الطائف"، ولا كأنه كبّد المسيحيين آلاف الشهداء وفي طليعتهم رئيس من وزن رينيه معوّض ومئات آلاف المهاجرين الى بلاد الله الواسعة.
من الممكن أن يكون ضعف بصيرة الجنرال السياسية فوّت عليه رؤية الحلّ في اتفاق "الطائف" يومها، أو ربما هوسه بكرسي الرئاسة ألقى على عينيه غشاء أسود حالكاً منعه من رؤيته. إلا أن الثابت الوحيد هو أن لاءات العونيين تسقط واحدة تلو الأخرى. فبعد سقوط "لا سلاح يعلو فوق سلاح الشرعيّة" الذي رفعه لضرب "القوات اللبنانية"، بورقة ذمّية وإذعان وارتهان قيل إنها "ورقة تفاهم"، سقطت "لا للسوري" بزيارة عون سوريا وطلبه من الشعب اللبناني الإعتذار من السوريين وإنكاره وجود أسرى في سجونهم. ولم يقف مسلسل سقوط اللاءات العونيّة عند هذا الحد فسقطت "لا للفساد" بروائح المازوت الأحمر وصفقات التلزيم في وزراة الطاقة وبواخر توليد الطاقة وصفقات وزارة الاتصالات وغيرها. واليوم تسقط "لا لاتفاق الطائف" مع اعتراف الجنرال بأنه كان الحلّ الوحيد. والسؤال البديهي هو ماذا بقي للعونيين من لاءات سوى "لا للقوّات اللبنانيّة"؟ وماذا تبقى لهم من نهج سياسي سوى العداء للقوّات لمجرّد العداء لا أكثر.