كتبت منال شعيا في صحيفة "النهار":
صحيح انه لا ينقصنا في لبنان كلام عن حقوق الانسان بل آليات لمعالجة ثغرات جمة في اكثر من مجال يلامس المواطن اللبناني في عيشه ومسكنه وحياته، انما حينما يكون ثمة عمل طويل استغرق نحو ستة اعوام لانهائه، تصبح الاضاءة عليه ملحّة.
هو عمل من اجل اصدار اول خطة وطنية لحقوق الانسان في لبنان. خطة مميزة من حيث شمولها مختلف القطاعات الحياتية، ولم يأتِ هذا العمل فرديا بل نتاج جهد جهات عدة، رسمية ومدنية، إذ شاركت فيه لجنة حقوق الانسان النيابية والوزارات المعنية وبرنامج الامم المتحدة الانمائي ومكتب المفوّض السامي لحقوق الانسان وعدد هائل من جمعيات اهلية محلية وعالمية ونقابات.
بعيدا من السياسة
"النهار" اطلعت على الخطة التي ستعلن رسميا خلال احتفال في مجلس النواب في 10 كانون الاول الجاري، تزامنا مع اليوم العالمي لحقوق الانسان، بعدما صدرت مسودتها في الأول من أيلول الفائت. وتتضمن الخطة التي يفوق عدد صفحاتها المئتين تمهيداً ومقدمة عامة ونقاطاً تنفيذية، ومن ثم تفصيل لـ21 قطاعاً يحوي كل منها انتهاكاً لحقوق الانسان. والقطاعات الـ21 هي: حقوق المرأة، الطفل، العمل والضمان الاجتماعي، الثقافة، التعلّم، العمال المهاجرون، السكن، الاشخاص ذوو الاعاقة، الصحة، البيئة السليمة، الاخفاء القسري، السجون، استقلال القضاء، التنصت، التعذيب، حرية التعبير والرأي والاعلام، حرية الجمعيات، اصول التحقيق والتوقيف، عقوبة الاعدام، اللاجئون الفلسطينيون، واللاجئون غير الفلسطينيين.
اما فكرة اصدار الخطة فأتت بناء على نداء من الامم المتحدة من اجل ان يصدر كل بلد خطة وطنية لحقوق الانسان، تحت سقف شرعة حقوق الانسان، فكان الهدف وضع بصمات لبنانية تحاكي الواقع اللبناني ومشاكله.
موسى
يشرح رئيس لجنة حقوق الانسان النائب ميشال موسى ان "الهدف من وراء الخطة التزام شرعة حقوق الانسان العالمية مع رسم للوضع الناشىء وتحديد آليات عمل حول مكامن الخلل".
ولكن كيف اختيرت القطاعات الـ21؟ يجيب: "القطاعات تطاول كل ابواب الشرعة، بغية اصلاحها".
بالاطلاع على الخطة، بدا لافتا انها أتت بعيدة من السياسة او التسييس، اذ يتميّز الشرح التفصيلي في كل قطاع بحياد، فيعرض الواقع كما هو، ومن ثم يعدّد النواقص والثغرات، ويعطي ايضا لمحة عن الاتفاقات التي وقعها لبنان في هذا المجال، ليخلص الى توصيات مطلوبة بغية الحل.
والاهم ان ناشطا مستقلا من المجتمع المدني تولى الصياغة في كل قطاع من القطاعات الـ21، وكان يعدّ ورقة عمل تناقش في لجنة حقوق الانسان وبعض اللجان النيابية المختصة والوزارات المعنية والـ UNDP والمفوّض السامي لحقوق الانسان وعدد من المؤسسات الاممية كـ"الاونروا" و"الاونيسكو"، ومن ثم تصدر هذه الورقة كتيبات تعاود مناقشتها داخل اللجان، قبل الصياغة النهائية ودمجها في الخطة التي ستعلن قريبا.
هذه المنهجية في العمل أخّرت اصدار الخطة، وكانت جولات من المناقشات تجريها اللجنة، وسط اقفال مجلس النواب تارة، وتجميد اعمال لجانه طورا. وهي تمتد بين 2013 و2019 اي لست سنوات، لان الكثير من مسائل حقوق الانسان يمكن ان تطرأ خلال هذه المدة او ان تعالج.
ويوضح موسى ان " الخطة تشكل خريطة طريق تحدّد المشاكل وتضع اطراً للحل، تشريعيا وتنفيذيا، وهي سابقة من حيث مضمونها وشموليتها والشراكة التي حققتها عبر العمل مع مختلف الجهات، فضلا عن استنهاض المجتمع المدني وجعله شريكا في العمل".
واذ يؤكد ان " الخطة خارجة عن السياسة"، يقول: "كان همّنا التظلل بشرعة حقوق الانسان وان تكون في الوقت عينه قريبة من المجتمع اللبناني ومشاكله".
من الاخفاء والسكن الى المرأة
مشاكل المجتمع اللبناني كثيرة وتكاد لا تحصى، وان كانت الخطة حصرتها بـ21 قطاعاً، وربما من اقسى النتائج التي تركتها حرب 1975- 1990، والتي شملت الجميع، هي مشكلة الاخفاء القسري. وفي الخطة عرض تفصيلي واقعي لتلك المعضلة، من اخفاءات قسرية في سوريا الى ليبيا والعراق. وتعلن الخطة صراحة ان "السبب في استمرار مأساة المخفيين وعائلاتهم، مردّه الى غياب الارادة السياسية الحاسمة لجهة وضع ملف المخفيين قسرا في اعلى سلّم الاولويات من الحكومات المتعاقبة".
وبعد أن تفصّل الواقع القانوني للقضية، دوليا ومحليا، تتوقف طويلاً عند الوضع الراهن، لتشير الى ان " معالجات عمليات الخطف اقتصرت على مراجعات من زعيم او وسيط او نافذ في غياب تام لمؤسسات الدولة. وفي ظل اقرار قانون العفو عام 1991، بقي ملف المخفيين قسرا خارج المعالجات، علما ان قانون العفو لا يحول دون الملاحقة، وقد اعتبر القضاء اللبناني ان جرائم الخطف من الجرائم المتمادية التي لا يشملها العفو والتي لا تخضع للتقادم المسقط".
اي في المبدأ لا هروب من الجريمة، انما في الواقع، لا تزال المعاناة نفسها. من هنا، توصي الخطة بالآتي: "انشاء هيئة وطنية مستقلة مخوّلة التحقيق في مصير الاشخاص المفقودين وضحايا الاختفاء القسري في سياق الحروب المختلفة التي مرّت بها البلاد، بناء قاعدة الحمض النووي (DNA) على المستوى الوطني وتطوير تقنيات نبش المقابر الفردية والجماعية، وضع قواعد الزامية لاصول حماية المقابر ونبشها والتعامل مع محتوياتها".
واذا اردنا ان نأخذ عيّنة اخرى من الحقوق التي شملتها الخطة، تبدو مسألة حقوق المرأة مهمة، وتطلب الخطة " اقرار قانون حماية النساء من العنف الاسري، الذي يتضمن تدابير حمائية واخرى رادعة، واعتماد مشروع عن المساواة الكاملة بين النساء والرجال في مجال التأمين الاجتماعي واصدار قانون موحد اختياري للاحوال الشخصية وتعديل قانون الجنسية في ما يتعلق بالنساء اللبنانيات المتزوجات من اجانب".
ومن المشاكل الملحّة ايضا، السكن. ولعلّها المشكلة الاكثر التصاقاً بهموم اللبناني. وعلى المدى القريب والمتوسط، تناشد الخطة "مراجعة قوانين البناء والارتفاق من اجل انماء متوازن وقطاع سكني اكثر فاعلية على مستوى الوطن ورسم استراتيجية اسكانية كجزء لا يتجزأ من سياسة وطنية للحدّ من الفقر وتفعيل التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحسين عملية وصل بعض المناطق بالمراكز الحضارية لتقليل مسافات التنقل".
وبعد… تعداد للمشاكل، انما ماذا عن الخطوة التالية؟ وما هو نفع الكلام؟
لاحقا، سيكون المطلوب تبنّي الخطة معنويا من مجلسي الوزراء والنواب، ويبقى الاهم امكان التنفيذ. من هنا، اعدّ موسى والنائب غسان مخيبر اقتراح قانون انشاء هيئة مستقلة لحقوق الانسان، غير تابعة للحكومة، وتتألف من ناشطين وقضاة واساتذة، من أبرز مهماتها مواكبة تنفيذ الخطة وحض الحكومة باستمرار على تنفيذ التوصيات لكونها الجهاز التنفيذي، وستكون هناك مراجعة دورية من مجلس حقوق الانسان في جنيف.
ويؤكد موسى انه "في لبنان لا ينقصنا قوانين او اقتراحات وانما تنفيذ، لذا، سيكون هناك دور اساسي للهيئة التي ستتخذ الخطة اساسا لها".
والخطة ستصبح بعد 10 كانون الاول في متناول كثيرين، سياسيين وسفراء وهيئات مدنية وجامعيين وصحافيين، لتكون البنية الاساس لاي عمل تنفيذي – ميداني في مجال حقوق الانسان، لكونها تقدّم مسحا شاملا للمشاكل. وربما من غير المبالغة القول انه لا يوجد قطاع يعتبر الاكثر نقصا، بل كل القطاعات تعاني وجعا، والأهم ان ينجح لبنان في تكوين ثقافة لحقوق الانسان، تبدأ مع المواطن منذ صغره، بغية خلق حالة وعي مجتمعية تسمح بتشكيل رادع ذاتي واخلاقي امام كل من تستسهل نفسه ممارسة اشدّ الانتهاكات، وكي يكون هناك ايضا مساءلة رسمية ومحاسبة لوقف الانتهاكات، والا فان ألف خطة من هذا النوع لن تنفع، ولن تطوّر مجتمعنا. وحتى ساعتذاك، فان مأساة كثيرين مستمرة في سكنهم وعملهم وصحتهم وبيئتهم، وفي غياب او تغييب احباء لهم، منذ زمن بعيد…