كرّس مهرجان ذكرى أربعين اللواء الشهيد وسام الحسن، المسلّمات التي أرستها قوى 14 آذار عموماً وتيار "المستقبل" خصوصاً منذ اليوم الأول لاغيتاله، ومنطلقها الأول رحيل حكومة نجيب ميقاتي التي شكّلت المظلّة الحامية لجرائم الاغتيال ومحاولات الاغتيال في لبنان، تماماً كما كان عهد إميل لحود الأرضية التي مهّدت لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وقافلة الشهداء التي لحقت به.
من المؤكد أن الرئيس ميقاتي ليس مسؤولاً بالمفهوم الجنائي عن جريمة بحجم اغتيال وسام الحسن، لكنه مسؤول بالسياسة عن جريمة بهذا الحجم، لأنه رئيس حكومة كانت وما زالت تشكّل البيئة الحاضنة للاغتيالات، ولأنه ارتضى بالدرجة الأولى أن يكون على رأس سلطة سياسية، عناصر أحد مكوناتها الأساسيين متهمون بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري جنائياً لا سياسياً، وهو "حزب الله" الذي يرفض تسليم مسؤوليه الأمنيين الأربعة الى المحكمة الدولية لمحاكمتهم في هذه الجريمة وإثبات براءتهم التي يدعيها إذا كانوا فعلاً أبرياء، بدل التلطي وراء اتهام المحكمة بالتسييس ووصفها تارة بأنها إسرائيلية وتارة أخرى بأنها أميركية، ويتحمّل بالدرجة الثانية مسؤولية حجب داتا الاتصالات عن الأجهزة الأمنية من أجل تعقب من حاول اغتيال رئيس حزب "القوّات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع ومحاولات اغتيال سياسيين وأمنيين آخرين، وبالدرجة الثالثة غضّ النظر عن امتناع "حزب الله" عن تسليم المشتبه به بتنفيذ محاولة اغتيال النائب بطرس حرب، وهذه التسهيلات مجتمعة كانت المساعد الأساسي لمرتكبي جريمة اغتيال اللواء الحسن رغم الإجراءات الأمنية المعقدة التي كانت تحيط بتحركاته السرية للغاية.
ربما يقول رئيس الحكومة أو من يدافع عنه أن "حزب الله" كان شريكاً في حكومات الرئيسين فؤاد السنيورة وسعد الحريري ما بين عامي 2005 و2010 وهذا صحيح، لكن اللبنانيين لم ينسوا بعد أن السنيورة والحريري كانا يخوضان حرباً سياسية طاحنة مع هذا الفريق الذي كانت كل سياساته ومخططاته مبنيّة على تقويض المحكمة والسعي ليل نهار الى نسفها، أو أقلّه الى إبرام صفقة تسووية على رأسها، وخرجا من هذه المعارك منتصرين لمجرد أن بدأت المحكمة عملها، حتى أن كبار المحللين جزموا بأن كل المغامرات التي قادها "حزب الله" وكانت مكلفة جداً على لبنان، بدءاً من حرب تموز الى الاستقالة من حكومة الرئيس السنيورة الأولى، مروراً باحتلال وسط بيروت وإقفال المجلس النيابي لقطع الطريق على إبرام الاتفاقية الخاصة بالمحكمة الدولية، ومن ثمّ اجتياح السابع من أيار "المجيد" لبيروت، وصولاً الى الإطاحة بحكومة الرئيس سعد الحريري، لم تكن إلا محاولات فاشلة لمنع صدور القرار الاتهامي المدوي، ومن ثمّ إبرام صفقة تذهب بالمحكمة وتحقيقاتها وأدلتها أدراج الرياح، ووضع جريمة العصر في أدراج النسيان تماماً كما حال الاغتيالات السياسية السابقة.
الرسالة التي حملها مهرجان طرابلس في معرض الرئيس الشهيد رشيد كرامي، كانت شديدة الوضوح وبالغة التعبير، فهي أبلغت القاصي والداني أن سياسة اغتيال القادة السياسيين والأمنيين من فريق 14 آذار لم يعد بالإمكان تمريرها من دون محاسبة في السياسة كما في القضاء، وهي في الوقت عينه رسالة الى من يعنيهم الأمر بأن مشروع بناء الدولة الذي كان يعمل عليه وسام الحسن، الذي هو دولة ترسيخ العدالة ووقف مسلسل القتل والإرهاب، والذي لن يرحم التاريخ كلّ من يتخلّف عنه كما أعلن الأمين العام لـ"تيار المستقبل" أحمد الحريري من قلب عاصمة الشمال طرابلس، قلعة الدفاع عن لبنان السيد الحر المستقل.
المفارقة في الأمر أن فريق السلطة الذي يعرف أن أي حلّ للأزمة التي يتخبّط هو بها، ويزج البلد في أتونها بمجازفاته، يمرّ بمسار واحد لا ثاني له وهو استقالة هذه الحكومة وتشكيل حكومة إنقاذ من الحياديين تخرج البلد من رواسب حكومة "حزب الله" والنظام السوري التي نأت بنفسها عن هموم الناس، فيما ورطت نفسها والبلد في تبنّي سياسة بشار الأسد، وكانت الممثل الأمين لسياسته في الداخل والخارج، وتعيد بعضاً من الثقة المفقودة بلبنان عربياً ودولياً، وتشرف على إجراء الانتخابات النيابية التي ستفرز أكثرية تحكم وأقلية تعارض، أياً كان الفريق الفائز، وتكرس مبدأ احترام إرادة الناخبين سواء كانت النتائج لصالح هذا الفريق أو ذاك، وتقفل الباب نهائياً على الأعراف التي كانت قائمة مرة تحت عنوان الشراكة ومرة أخرى تحت شعار الوحدة الوطنية ومرات تسويقاً لبدعة "لا غالب ولا مغلوب"،لا سيما وأن الفريق الحاكم حالياً هو من فتح الباب أمام هذه المعادلة متذرعاً بحجة التداول الديمقراطي للسلطة، وفق مبدأ الأكثرية والأقلية، علماً أنه استولى على أكثريته "الوهمية" بالسطو المسلّح.