يُسجّل المراقبون في لبنان على اختلاف انتماءاتهم السياسية والمذهبية عدم حماسة اللبنانيّين عموماً للانتخابات النيابية المقرّر إجراؤها بداية الصيف المقبل.
ويلاحظ هؤلاء المراقبون أنّ الاهتمام بالشأن الانتخابي في هذه الآونة بالتحديد لا يتعدّى الحلقات الضيّقة لمختلف الأحزاب والقوى الساسية الناشطة في البلاد لاعتبارات كثيرة، أبرزها الآتي:
1 – غرق اللبنانيّين في همومهم المعيشية اليومية والتي تكاد تثقل كواهلهم على مختلف الصعد، ما يجعل موضوع الانتخابات بالنسبة الى أكثريتهم أمراً ثانويّا لا يستحوذ على مساحة، ولو بسيطة، من تفكيرهم في ظلّ الوضع الاقتصادي "شبه المنهار" وما يستتبعه من انعكاسات اجتماعية يومية تقضّ مضاجعهم وتجعل من ايّ حديث آخر، وبالتحديد عن الانتخابات، أمراً غير أساسيّ في هذه المرحلة يمكن تأجيل البحث فيه أو مناقشته أو حتى إعطاؤه حيّزاً معقولاً من الاهتمام في مواقيت أخرى.
2 – قلق غالبية اللبنانيين من المستقبل القريب، على الأقلّ المقبل على لبنان والمنطقة في ظلّ الاوضاع المتفجّرة في الاقليم، سواء لجهة الاقتتال الحاصل في سوريا والمرجّح أن تزداد وتيرته في الاشهر المقبلة بدلاً من أن تخف، أو لجهة الاحداث الجارية في الأردن وإمكانية تفاقمها نحو الأسوأ حسب ما تؤشّر المعطيات القائمة على أرض الواقع هناك، أو لجهة الصدامات اليومية والتظاهرات والاعتصامات الجارية في مصر بعد سقوط نظام مبارك وفوز الرئيس الإسلامي محمد مرسي بالرئاسة وما تلاه من انقسام سياسيّ كبير على وسع الأراضي المصرية يكاد يؤدّي الى تقسيم المجتمع المصري الى فئتين شبه متوازنتين: فئة توالي حكم الإخوان، وفئة أُخرى ترفضه مطلقاً، ما يجعل من مسألة الانتخابات في لبنان أمراً ثانويّاً قد لا يستأهل التوقّف عنده وإعطاءَه الاهتمام المطلوب، أقلّه في هذه المرحلة الحسّاسة والمقلقة في آن معاً.
3 – الشعور الذي تولّد عند معظم اللبنانيّين، وتحديداً منذ انتخابات العام 2005 مروراً بانتخابات 2009 وحتى اليوم، بأنّ نتائج تلك الانتخابات والتي أظهرت فوز قوى 14 آذار بالغالبية النيابية، لم تمكّنهم من ممارسة الحكم عمليّاً وتنفيذ برامجهم وشعاراتهم وتعهّداتهم التي ربحوا الانتخابات بسببها، لأنّهم استمرّوا ملزمين بالتوافق مع القوى الأُخرى التي خسرت الانتخابات لمرّتين متتاليتين، أي قوى الثامن من آذار، وفقاً لشعار أنّ هذا البلد لا يمكنه ان يُحكم من طرف واحد او بانتصار فريق على آخر، بل بالتوافق والتفاهم الدائمين بين مختلف مكوّنات هذا الوطن، مهما كانت نتائج الانتخابات، وبغضّ النظر عن طبيعة القانون الذي أجريت على أساسه. وهذا الواقع فرض نفسه إحباطاً لدى جمهور 14 آذار في مراحل عدّة وولّد شعوراً بالاستقواء لدى جمهور 8 آذار في الجهة المقابلة، والذي كان قد خسر الانتخابات لدورتين متتاليتين، ولم يتمكّن، أو أنّه لم يسمح للفريق الاوّل بممارسة الحكم كما يجب، تارة بالترهيب وتارةً أُخرى بالترغيب، وأطوارا أُخرى بالتعطيل والعرقلة ووضع العصيّ في الدواليب.
ماذا يعني هذا الكلام؟
يعني ببساطة أنّ اهتمامات الاكثرية الساحقة من اللبنانيين هي في مكان آخر هذه الأيّام، ما يجعل من اهتمامهم بالانتخابات أمراً ثانويّاً سواء استمرّ العمل بقانون الستّين الحالي، أو جرى تعديله أو تبديله، وسواء تمّ التوافق على قانون النسبية أو ما سُمّي "المشروع الأرثوذكسي" أو قانون لـ 50 دائرة أو غيره من الطروحات المتداولة. فالمسألة بالنسبة اليهم ليست مسألة قانون انتخاب أو انتخابات بمقدار ما هي إمكانية تغيير ما في الوضع السياسي القائم في البلاد منذ 2005 وحتى اليوم. والتغيير المنشود ليس في يد اللبنانيين وحدهم كما هو معروف، بل تحكمه موازين قوى خارجية دولية وإقليمية واستطراداً محلّية (وإن بنسبة بسيطة)، وعليه فإنّ هذه الموازين لم تصل بعد الى تسوية أو اتّفاق ما على مواضيع المنطقة المطروحة ومنها لبنان طبعاً، ما يحتّم انتظار مجريات الأحداث القائمة في الإقليم، وتحديداً في سوريا، والتي ستبنى على أساسها أمور كثيرة للمستقبل القريب والبعيد للبنان واللبنانيين. فهل ستجري الانتخابات في موعدها، أو تؤجّل؟ ووفقاً لأيّ قانون يمكن إجراؤها؟ وكيف ستأتي النتائج، وماذا سيترتّب عليها؟
أسئلة تبقى بلا أجوبة حاسمة في انتظار ما سيطرأ من مستجدّات على أرض الواقع في الأزمة السورية تحديداً. ومن يعتقد غير ذلك تكُن حساباته خاطئة.