طبعا عناد الوزير ليس من بنات ولا من أبناء أفكاره لوحده، وراء العناد الكبير قرار كبير ممن يملكون القدرة الفعلية على اتخاذ القرارات والمضي بها حتى النهاية، "حزب الله". أكثر من ذلك، قرار الوزير قابله قبول ودعم من زميله وزير العدل، وكل ذلك بحجّة الدفاع عن خصوصية اللبنانيين! في هذا الاطار قرأت كلاما نسب الى مصدر قضائي كبير، بأن القضاء اللبناني يقوم بالموازنة بين حجم الخطر الأمني وحجم ما يُسمح بكشفه من الاتصالات، لذلك لم يجد هذا المصدر حاجة لكشف مضامين الرسائل النصّية للهواتف الخلوية، ورغم فداحة الجريمة وتأثيرها أمنياً، اعتبر المصدر أنها لا توازن كشف مضامين الرسائل على مساحة البلد!!
اذن وبناء عليه، أصبح الوزراء في لبنان جميعهم المؤتمنين على أسرارنا، لكن ماذا عن حياتنا؟! واذا ما متنا، بماذا ستنفعنا الاسرار والخصوصيات في القبر؟! هل نتبادلها مع جيراننا من الهياكل العظيمة؟! من الاولى بالاهتمام الاسرار أم الحياة الامنة؟!
لفتني ما قاله النائب بطرس حرب الذي انتقد قرار وزيري العدل والاتصالات، واعتبر ان "حزب الله" يستطيع حين يشاء التنصت على اتصالات اللبنانيين وعلى رسائلهم، خصوصا أن شعبة المعلومات اكتشفت أن قاتل اللواء الشهيد وسام الحسن استخدم الـSMS في اتصالاته، ومعتبرا ان موقف الحكومة يشجع المجرمين على قتل قيادات "14 آذار"، واصفا اياها بـ "حكومة كراكوز". هي الحكومة نفسها التي لم تتخذ قرارها حتى الساعة بالقاء القبض على من حاول اغتيال بطرس حرب، وهي تعرف اسمه ومكانه!!
الغريب ان وزير الاتصالات، كان انتبه الى خصوصية اللبنانيين تحديدا قبل شهرين ونصف الشهر من محاولة اغتيال الدكتور سمير جعجع، حين اعلن رفضه تسليم الداتا، متسلحا بقرار مجلس الوزراء في 1 شباط 2012 الذي صدر بعد أسبوعين على قراره الشخصي بحجب الداتا في 16 كانون الثاني 2012!! السؤال: أين الخصوصية المنشودة التي يتغنى ويتسلّح بها "معاليه"، في حين يملك "حزب الله" كل ما يريد من معلومات عن كل منّا، ومن بيننا الوزير المحترم اياه؟! أين الخصوصية حين يعمد "حزب الله" الى مد شبكات للاتصالات في المناطق كافة لا تكشف تنهداتنا وحسب، انما نوايانا وأحلامنا ودقّات قلوبنا؟! والسؤال الاهم، يدّعي معاليه ان قوى الامن تنتهك، تعجبني العبارة، "تنتهك"، خصوصيات الدولة بمطالبتها بالداتا! خصوصيات بالجمع، فللدولة أكثر من خصوصية، لديها باقة منوّعة، مجموعة منتقاة من أحلى وأروع الخصوصيات! متى حصل وانتهكت قوى الامن الداخلي هذه الخصوصيات، أم لعل المطالبة بكشف المجرمين لحماية الناس صارت انتهاكا؟!
ثمة مثل شعبي لا يعجبني على الاطلاق لشدة ما هو معبّر عن الوقاحة الممزوجة باللاكرامة، وهو "ان الفاجر يأكل مال التاجر"، هكذا هم في "8 آذار"، يعرفون ان ما نقول هو الحقيقة الكاملة التي تدينهم، ولكنهم يعرفون كيف يديرون الدفة باتجاههم وسلاحهم الدائم، الوقاحة. أحسدهم أحيانا على هذا السلاح الذي نعجز عن استعماله عند اللزوم.
أذكر تاريخا ليس بعيدا، 11 أيلول 2001 يوم اجتاح الارهاب الولايات المتحدة بالحوادث الشهيرة التي نفذها تنظيم القاعدة، على أثرها أعلنت الدولة التي ابتدعت مبدأ الحريات العامة والخاصة، بلاد الحرية اللامتناهية، أعلنت انها ستزرع البلاد عيونا وكاميرات، وستراقب اتصالات المواطنين ليس لاجل التنصت عليهم، انما لحماية الامن القومي في البلاد. قرار أثار جدلا واسعا بين المواطنين، لكنهم وافقوا في النهاية بعدما تنبّهوا الى أن الامن والامان واكتشاف المجرمين هي الاولوية وليس العكس. هذه أميركا. جمهوريون وديمقراطيون. وهذا لبنان، مساحة قد لا تتجاوز شارعا في نيويورك. لبنان الذي يخضع لقرار وزير مدلل، حسبه انه مدعوم من حزب يجتاح بالتهديد كل مساحة الشرق الاوسط، ولكنه عاجز حتى الساعة عن تحقيق "النصر" أمام ثوار، لا يملكون واحدا في المئة من ترسانته العظيمة، ولكنهم يملكون العزم والحرية لمواجهة الى القتل والدمار. ونحن هنا نبحث في أوراق زهرة المارغريت من أولاً، الامن أم الخصوصية؟ وماذا ستنفعنا الخصوصية في القبر وجيراننا الهياكل العظمية يا… معاليك!!
