جلس الزّحلاوي تحت العريشة، والعناقيد تدلّت كثريّات الذهب، يتفقّد الإعلانات المبوّبة في صحيفته. وقع على الإعلان الآتي: "مطلوب رئيس قسم محاسبة. متأهّل. عشرون سنة خبرة. يحمل جواز سفر أجنبيّاً". هبَّ صاحبنا، بعدما ضربه العنفوان الزحلاوي الشهير. إستقلّ سيّارة أجرة، وطلب من السّائق التوجّه بسرعة البرق إلى الشركة صاحبة الإعلان. وعندما وصل، وجد طابوراً طويلاً من حاملي الشهادات وأصحاب الخبرات، الذين سبقوه. لكنّ الزّحلاوي دفش البعض، وقفز فوق الآخرين حتى وصل باب المدير، فطحَشَ عليه متجاهلاً زعيق السّكرتيرة.
المدير، الذي فوجئ بهجمة هذا الضبع، طلب من سكرتيرته إغلاق الباب ليختلي بهذا المتفجّر ثقة بنفسه، مستنتجاً انه حتماً الرّجل المناسب للوظيفة! سأله:" أنت بالتأكيد هنا من أجل الإعلان". أجاب الرّجل بلكنة محبّبة:"أكايد" ( وتعني بالعربي "أكيد"). وعاد المدير وسأله:" أنت متزوّج؟". قال الرّجل:"له" ( وهي ترجمة لا بالزّحلاويّة). "هل عندك ثلاثون سنة خبرة؟". "له". "معك جواز سفر أجنبي؟". "له". "دارس محاسبة؟". "له". فسأله المدير مصعوقاً: "دخلك، فيك تقللي، شو جايي تعمل هون؟". "فنجر" الزحلاوي عينيه بالمدير. إقترب منه، وصرخ فيه: "جايي بس تقلّك إنو إذا بدّك حدِن لهالوظيفة… آتعتمدش عليِّي".
بهذه الهمّة الزحلاويّة، قفزت الأقليّة فوق الأكثريّة، وتحَوكمَ كمٌّ من المستوزرين حول بيان وزاري، أساسه "النأي أحسن رأي". ونأت الحكومة من يومها عن كلّ شيء: حدود مباحة للمجاهدين من الصّنفين وعلى الخطين؟ "آتعتمدوش علينا". طائرات مزمجرة أو صامتة محلّقة فوقنا ذهاباً وإياباً وأيّوباً؟ "آتعتمدوش علينا". أجنحة عسكريّة، وإغتيالات ومربّعات ومثلثات ومستطيلات أمنيّة؟ "آتعتمدوش علينا". جبل نار وباب جهنّم بين "محسن والتبّانة"؟ "آتعتمدوش علينا". إقتصاد يُنازع، وسياحة ميتة؟ "آتعتمدوش علينا". خطف وتعدّيات وسرقات، وفساد وتراجع خدمات، واهتراء بنيات تحتيات؟ "آتعتمدوش علينا". قانون إنتخاب يُنقذ الديمقراطيّة التمثيليّة من مسرحيّة المذهبيّة؟"آتعتمدوش علينا". تغييب تراثي وتشويه عمراني، وتلوّث وردم وقضم تلال وجبال؟ "آتعتمدوش علينا".
أمّا نحن فمن أعلى شفير الهاوية، بتنا نترحّم على زمن سوء الإدارة، مقارنة بأيّام اللاإدارة هذه. ففي هذه الحكومة "الزحلاويّة"، شلل وفشل، وضباع ونسور كاسرة تتلهّى بالحمام الوسطي، تكشّه من فوق طاولة الحوار الشاغرة. ويبقى علينا أن ندكّ بيان الحكومة الوزاري في كركة نحاسيّة. نكرِّره ثلاث مرّات، مع قليل من اليانسون الشامي، نشربه أمام مازات تشبه فسيفساءنا المتشظية، ونغنّي مقطوعة "أعطني النّأي… وغنّ". وكاسكن!