#dfp #adsense

“النجاح الفاشل”

حجم الخط

أول الكلام في الوضع اللبناني صار مثل آخره. وفي الملمات والنوازل الكبيرات يعني ذلك، أن اللغة أصيبت بضيم وعَوَر وأمراض جعلتها مقعدة وعاجزة عن التبليغ… وتركت بعد ذلك منزلتها الرفيعة وانزوت إلى مكان ضامر ويائس وناء في غربة قصيّة.

وأول الكلام كان ولا يزال، أن أنشودة الاحتراب التي رصّع حروفها أهل الممانعة والمناتعة، أثمرت وانتشت. وصار في إمكان هؤلاء في سرّهم وجهرهم الاطمئنان إلى نجاح سعيهم نحو تكريس حضورهم، وتمتين أوراقهم، وتحصين انتشارهم، وتدعيم مشروعهم الموصول بحسابات إقليمية نووية وأخرى أقل تواضعاً تتعلّق بتأكيد الريادة الامبراطورية حتى لو عنى ذلك تعميم المسالخ البشرية وتخريب الأوطان وهدر الثروات وتدعيم كل أسباب الفناء تحت لافتة ديمومة البقاء، وترسيخ حضور الأغراب تحت لافتة العمل لطردهم من ديارنا!

نجح مشروع "حزب الله" في لبنان! ومكابر من لا يقرّ بذلك، أو يبخّس من فرادته وغرابته… أو من يتطاول فوق ذلك، باتجاه طرح أسئلة مستحيلة عن معنى هذا الانتحار الواعي والجماعي اللابس أردية سماوية والملتحف سياسات أولى تبدأ بالمقاومة وتنتهي بتوعد الأعداء بجهنم الصواريخ!

بساطة التخريب مثيرة دائماً للدهشة والاستغراب. ومرادفة حُكماً لبراءة في المتلقي تجعله يفترض ان الجنون ابن مباشر لغياب الحكمة. وغياب الحكمة ابن شرعي للغلو والإمعان في الطيران فوق البشر الأسوياء. وان ذلك في مجمله لا يعني سوى أن المصحّات المعنية والمعتنية بالعقل اكتظت بروّادها وهؤلاء نيام وإن ظنّوا أنهم حاضرون واعون على مدار الساعة، وعيونهم مفتّحة، وألسنتهم تلهج بالكلام الكبير والجليل فيما الأفعال صغيرة وبائسة ومنحطّة أيّما انحطاط!

نجح "حزب الله" في جرّ الجميع إلى لغته. وفي ترسيخ نهج الانفعال والافتعال. وفي إخراج الناس من ثيابها. وفي تهميش وتكسير روابط السماء ومتمماتها الأرضية. وفي تصنيع وتغليف وتزيين الأعداء بالجملة والمفرّق. وفي شقّ الطرق وتعبيدها نحو الهاوية. وفي إشاعة ثقافة الصراخ والوعيد والتخوين والتهديد. وفي تكسير كل هيبة سلطوية شرعية، حتى صار خطف النساء والأطفال مهنة موقّرة تدرّ أرباحاً حرزانة ولا يأبه أصحابها لشيء، لا لصواريخ التنظيم الحديدي، ولا لبنادق الأمن الشرعي، ولا لأخلاقيات وسلوكيات وحميّات متوارثة جيلاً بعد جيل. ولا لأعراف وتقاليد العشيرة العربية ونخوتها.

ونجح في تسفيه منطق الأفاضل ودعاة الركون إلى دولة جامعة حامية حانية. ودستور واحد وقوانين وضعية ترعى الشاردة والواردة والصغيرة والكبيرة والتافهة والجدية.. نجح في زرع الشكوك الفظيعة باليقينيات والمقدّسات السياسية النضالية المباشرة، والنصيّة المتّصلة بالحلال والحرام، والظلم والعدل، والحق والباطل، والطغاة والمساكين.. نجح في الوصول إلى حيث لم تصل قبله نوازع ومؤامرات وتركيبات عدوّة ومفترية وشريرة. وفي نقل الناس دفعة واحدة من الحاضر إلى الماضي، ومن الراهن إلى السابق… من كتب العلم والفن والحداثة التقنية إلى كتب التفتيت ومطوّلات الفتن والإلغاء والإمحاء.. نجح في توليد وتخصيب بذور تفتيت ستزهّر طويلاً وتعمّر مديداً…!
… نجح في تكسير اللغة، حتى صار النجاح رديفاً لفشل مجلجل، لا سقوف تحدّه، ولا حدود تصدّه.. ويا "أم النكبات" الآتيات؟!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل