مطالبات قوى 14 آذار بتشكيل حكومة جديدة لم تكن عن عبث، وبالتأكيد ليس لأهداف سلطوية كما صوّر فريق 8 آذار، بدليل رفضها المشاركة في هذه الحكومة، إنّما الهدف كان تلافي الوصول إلى هذا المستوى من التعبئة المذهبية وانزلاق لبنان إلى توتّرات أمنية و"ميني" حروب أهلية يستحيل منع توسّعها في حال عدم اتّخاذ إجراءات فورية ورادعة.
وإذا كان من المُسلّم به أنّ كلّ مظاهر التسلّح والفوضى سببها سلاح "حزب الله"، وكلّ مظاهر القتال في سوريا سببها أيضاً الحزب بعد تشييعه العشرات من مقاتليه الذين قضوا، باعترافه، أثناء قيامهم بواجبهم الجهادي، الأمر الذي استفزّ مشاعر أهل السنّة وعموم اللبنانيّين، وفتحَ الطريق أمام استنساخ تجربته، فإنّ المسؤولية المباشرة تقع على الحكومة للأسباب الآتية:
أوّلاً، التعامل مع الاعتداءات المتكرّرة للجيش النظامي السوري على السيادة اللبنانية وكأنّها لم تكن. فالحكومة لم تكلّف نفسها عناء اتّخاذ أية إجراءات كفيلة بردع الانتهاكات السورية، ولا بل تجاهلتها بشكل تامّ لكأنها أرض سائبة، ما ولّد مناخاً طبيعيّا ينشأ باستمرار بفعل غياب الدولة وخشية المواطنين على أمنهم واندفاعهم للدفاع عن كرامتهم وأعراضهم.
ثانياً، إفتعال الاشتباكات المسلّحة في طرابلس في محاولة لترهيب البيئة السنّية الحاضنة والمؤيّدة للثورة السورية، فضلاً عن محاولات إخضاعها وتدجينها بغية تسليمها بالأمر الواقع بأنّ قرارها مصادر وموزّع بين قصر المهاجرين وحارة حريك، وبالتالي إنّ عدم اتّخاذ الحكومة أية تدابير جدّية وحازمة ولّد لدى الطائفة السنّية شعوراً بأنّها مهدّدة ومستهدفة، ما دفع بعض التيارات إلى التسلّح وتبرير هذا التسلّح على قاعدة الدفاع عن النفس.
ثالثاً، التعاطي بلامبالاة مع قضية سماحة-المملوك التي أظهرت بالوقائع إعداد النظام السوري لتفجيرات واغتيالات لشخصيات، واستهدافاً لتجمّعات شعبية سنّية، خصوصاً في منطقة عكّار، وبالتالي عدم إحالة الجريمة على المجلس العدلي وطرد السفير السوري وإلغاء الاتّفاقية الموقّعة بين البلدين، ولّد أيضا شعوراً لدى هذه الطائفة بأنّ استهدافها أمر مطلوب.
رابعاً، سكوت الحكومة عن اغتيال الشهيد وسام الحسن ومحاولات الاغتيال المتكرّرة للقادة السياسيّين، وكان آخرَها محاولتا اغتيال الدكتور سمير جعجع والنائب بطرس حرب، وتعطيلها محاولات كشف المجرمين برفضها تسليم حركة الاتصالات لتمكين القوى الأمنية من ردعهم وتوقيفهم، بدا وكأنّ وظيفتها التغطية على هؤلاء المجرمين وإفساح المجال أمامهم لإبقاء هيمنتهم على كلّ مفاصل السلطة.
خامساً، الامتناع المستمرّ عن ترسيم الحدود اللبنانية-السورية بما يخالف مقرّرات الحوار الوطني في العام 2006 وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، كما الامتناع عن نشر الجيش اللبناني على طول هذه الحدود أو وضعها تحت القرار 1701، أظهر بما لا يقبل الشكّ أنّ الحكومة تريد إبقاء هذه الحدود سائبة لتمكين "حزب الله" من توريد السلاح وتصدير المقاتلين وإبقاء لبنان ساحة لسوريا وإيران.
لقد أظهرت هذه العوامل وغيرها مسؤولية الحكومة في تصدير الأزمة السورية إلى لبنان، وتسعير المناخات الفتنوية وتشجيع الحرب الأهلية، كما أنّ عجزها أدّى إلى انفلات الشارع وصولاً إلى تطوّع مجموعة من الشباب لـ"الجهاد" إلى جانب الثوّار ضدّ الظلم اللاحق بهم، فيما لو اتّخذت الحكومة التدابير المطلوبة من البداية لما كانت أزهقت أرواح هؤلاء الشباب، الأمر الذي بات يحتّم رحيلها اليوم قبل الغد حقناً لمزيد من الدماء والفوضى والخراب…
