الوطن المؤجّل

جعل أحد المفكّرين السوسيولوجيّين المواطنة عقيدة يوالي عليها النّاس ويعادون، وأدرج الوطن في هالة التقديس، بحيث يصير الحبّ فيه والبغض لأجله والقتال في سبيله، فيطغى الولاء له على كلّ رابطة. ولمّا كان الولاء هو البيئة الحاضنة الدائمة لأفراد الجماعة مستقلّين ومتجمّعين، وَجُبَ أن تكون إستراتيجيّة تعزيز الهويّة الوطنيّة وحدها ما يشغل محدّدي الأهداف، قبل الخوض في مناقشة أيّ استراتيجيّة موازية، وأن يشكّل مفهوم الهويّة مقدّمة محصّنة إلزاميّة لأيّ تفاصيل تلحق بها، ولا سيّما بعد التطوّرات المتعاقبة والخطيرة في مسألة الإنتماء المتشعّبة التوجّه، والتي باتت معلنة سافرة الوجه.

تشكّل الهويّة الوطنيّة منظومة إجتماعيّة وأخلاقيّة، وقضيّة إلتزام عموميّ بقيم جوهريّة تتنزّل في زمن الوطن، وتسهم في صوغ حقيقة المنتسبين إليه. والهويّة لم تكن يوماً عمليّة تنتمي الى ترف فكريّ نظريّ، إنّما هي نشاط دؤوب فائق الأهميّة يترجمها الى سلوك ونمط حياة وطموح وجوديّ. وهذا الإرتقاء في مفهوم الهويّة الوطنيّة وفهمها، أي فهم الشخصيّة الوطنيّة، لهو رأس المعرفة.

لكنّ المشكلة عندنا تكمن في الإلتباس الذي يصطنعه بعض الأفرقاء حول مفهوم الهويّة، ما يثير أسئلةً أكثر ممّا يتوصّل الى إجابات، فيستعر بالتالي الخلاف حول حقيقة المفهوم، وتنشأ أزمة في ماهيّة الهويّة وأبعادها، بالرغم من أنّ هذا البعض يتّفق مع الجميع (وهذا باب من أبواب الإدّعاء) بأنّها أساس ترسيخ الوحدة الوطنيّة. لكنّ الشعار السياسي الذي يرفعه هذا البعض الذي ينبغي عملياً أن يكون مكوّناً وطنيّاً، يتلطّى خلفه بعدٌ استراتيجيّ لا يمتّ الى مفهوم الهويّة بصلة، لأنّه غريب عن إيديولوجيّتها وعن بعديها الموضوعي والمعرفي.

وإذا سلّمنا جدلاً بأنّ الهويّة معطى مقدّس ثابت ونهائي، وليس معطىً تاريخيّاً في حال حركة مستمرّة، ما يعني أنّ كلّ فرد يولد في وطن ما، يكتسب فوراً هويّته وماهيّته، وبشكل دائم، أوليس منطقيّاً وواقعيّاً جعل هذا الإكتساب عرضةً للمراجعة والنقد والتّقويم ليكون أكثر فاعليّة في أداء وظيفته الوطنيّة على مستوى تحديد من ينتمون إلى الوطن فعلاً، وتمييزهم عن سواهم، احتكاماً الى مبادئ عامة وليس الى مواقف سياسية ضيّقة؟ لعلّ تحديد هذه المبادئ، هو ليس من الأمور المستعصية أو الطوباويّة التي تستلزم سجالاّ فكريّاً، يفرز المنحازين الى هويّتهم عن متجاهليها.

لسنا، في هذا المجال، نرمي الى تصنيع عقيدة أو إيديولوجيا صارمة، بل الى تعيين ما هو متعارف عليه في القاموس السياسي الدولي من أسس تشكّل أبرز مبادئ الولاء في الإنتماء، وأهمّها أن تكون الهويّة عامل تفعيل لحراك يعزّز الكيان السياسي الموحّد للدولة ومؤسّساتها ووحدة شرعيّتها، ويرسّخ نهائيّة البلاد واستقلال قرارها، وأن يعمّق الشعور بالإنتماء الى أرض وتاريخ وثقافة، ويحرّر النفس من أسر الطّائفيّة وحفريّات القوميّات وأطر الأعراق الضيّقة ولا سيّما الأعجميّة منها.

إنّ مشروع الوطن يتجاوز ديناميّة الصّراع على السلطة ولا يخضع للنسبيّة أو للشكّ، لأنّه فلسفة وجود وبقاء. وهو حدّ حاسم في موضوع الحرب الباردة بين السّاكن في وجدانهم وبين النافضين أيديهم منه. وعلى هذا، نريد الوطن مرجعيّة الإيمان والفعل والسّلوك وحالة ارتباط متعاظمة، لا وطناً منتهية صلاحيّته أو وطناً مؤجّلاً بانتظار أن يرتدّ الكافرون به أو يرحلوا منه الى الأبد.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل