كتب جورج شاهين في صحيفة "الجمهورية":
لم يكن الحرص الدوليّ قائماً على حماية الاستقرار في لبنان يوماً كما هو اليوم. وفي اقتناع سياسيّين أنّ هذه الرعاية لم تكن ولن تكون كرمى لعيون اللبنانيّين، بل حرصاً على منع الانفجار الكبير في المنطقة. فما جرى في سوريا بعد العراق لم يُفجّر المنطقة، لكنّ أيّ إشكال في لبنان سيقود إلى الإنفجار. فما الذي يفسّر هذه المعادلة؟
في القراءة الدولية التي عبّر عنها دبلوماسيّون وموفدون أوروبّيون وأميركيون قواسم مشتركة كثيرة تتلاقى في مضمونها مع ما حصدته جولات المسؤولين اللبنانيين الكبار من معطيات من العواصم الكبرى التي تواكب ما يجري في المنطقة.
فقد لمس المسؤولون اللبنانيّون كثيراً من عناصر هذه المعادلة الدولية في عدد من عواصم العالم، وتحديداً واشنطن وباريس وروما والفاتيكان، حيث ظهر الحرص الدولي عليها معطوفاً على رعاية بابوية نادرة. وقال زوّار الفاتيكان إنّ هذه الرعاية لم تنجم عن قرار بابوي فحسب، فللفاتيكان علاقات مميّزة بالقوى الدولية تفوق في قدراتها السياسية والديبلوماسية ما يمكن أن تحمله حاملات الطائرات، في وقت يبدو فيه أهل الربط والحلّ منشغلين بملفّات دولية كبرى لعلّ أبرزها ما تركته الأزمة الإقتصادية العالمية وانعكاساتها على المؤسّسات المالية الأميركية الكبرى، والتي يعانيها محور اليورو، وقد تحوّل الفاتيكان إزاء ما يجري في لبنان وسوريا معبراً لتوجيه الرسائل في اتّجاه دول المنطقة.
وعلى هذه الخلفيّات تعتقد مراجع مُطّلعة أنّ الإصرار الأوروبّي والأميركي على استقرار لبنان تجلّى في لازمة البيانات الأميركية الرسمية الصادرة في بيروت والقائلة بـ "لبنان سيّد حر ومستقرّ".
وتفيد الرسائل الفاتيكانية أنّ الإستقرار في لبنان هو مفتاح الإستقرار في المنطقة – بمعزل عمّا يجري في سوريا- وأنّ التزام اللبنانيين الإستحقاقات الدستورية ولا سيّما منها الإنتخابات النيابية المقبلة هو من أعمدة الإستقرار، بغضّ النظر عن القانون الذي ستجري بموجبه هذه الانتخابات، لأنّ التمديد للمجلس النيابي الحالي سيفتح الباب على التمديد لرئيس الجمهورية وسيضع لبنان أمام نفق قد يتسبّب بانهيار مؤسّساته وبمزيد من هجرة المسيحيّين نتيجة تضاؤل ثقتهم بلبنان، على حدّ ما يفيد تقرير يشرح موقف الفاتيكان ممّا يجري في لبنان وسوريا.
رسائل أميركية وأممية
وكما في الفاتيكان، فقد حملت الديبلوماسية الأميركية ببُعدها الأممي رسالة مشابهة الى اللبنانيين، ومفادُها الإصرار في المرحلة الراهنة على أمرين لا ثالث لهما:
الأمر الأوّل يتصل بالعمل للحفاظ على الإستقرار الأمني القائم بحدّه الأدنى المقبول مهما كلّف الأمر ومهما تصاعد الخلاف السياسي بين الأطراف، لأنّ أيّ انفجار في لبنان سيعرّض المنطقة بكاملها لنزاع سنّي ـ شيعي مفتوح على كلّ الإحتمالات السلبية والمدمّرة، خصوصاً عندما تبيّن أنّ عنصر الإستقرار يكمن في وجود رئيس للجمهورية يدير الملفّات الداخلية، فلا يترك مجالاً للتجاذبات التي حكمت لبنان بين العام 2007 و2008 والتي تجلّت بالثنائية التي قامت بين السراي الحكومي والضاحية الجنوبية.
أمّا الأمر الثاني فهو إجراء الإنتخابات النيابية في مواعيدها بقانون الستّين أو بغيره، بمعزل عن نظرتها إلى معادلة 8 و14 آذار التي ستبقى على حالها في الوقت الراهن من دون أيّ تعديل دراماتيكي، ليس لأنّها المعادلة المثالية المرغوبة وإنّما لأنّ منطق "إذا لم يكن لك ما تريد أرد ما يكون" ما زال يحكم هذه المرحلة في ظلّ تأخّر ظهور مشاريع التبدّلات الكبيرة في لبنان والمنطقة وفي انتظار ما ستؤول اليه الأزمة السورية التي تراوح مكانها وسط مشاهد الخراب والدمار من دون أن ينتصر أيّ طرف على آخر إلى أمد يُعتقد أنه لن يكون قصيراً.
لعبة عضّ الأصابع
وفي المعادلة الدولية بخلفيّاتها الأميركية والأوروبّية، لم تُظهر واشنطن استعداداً ولو للحظة واحدة للتضحية بجنديّ واحد من أجل إقفال ملفّ الأزمة السورية. وذلك بسبب معادلة بسيطة باتت قائمة هي "أنّ ما يحصل في سوريا يحقّق الأهداف المطلوبة، وهي إستنزاف النظام والقضاء على بنية الدولة السورية وإرهاق الجيش السوري".
وتعتقد المصادر المراقبة أنّ ما يجري في سوريا سيستمرّ على ما هو من عنف إلى المرحلة التي تصبح فيها لعبة عضّ الأصابع جائزةً، ومَن يصرخ أوّلاً فسيكون الخاسر الأكبر ومعه حلفاؤه، جميع الحلفاء القريبون والبعيدون. وعندها يجوز الحديث عن "ستاتيكو" جديد، وهو أمر يفرض طول الصبر والأناة.