منذ أن علت أصوات قوى «14 آذار» مطالبةً جدّياً بإسقاط حكومة الرئيس نجيب ميقاتي قبل نحو شهرين، وتحديداً في 19 تشرين الأوّل الماضي، تاريخ اغتيال اللواء الشهيد وسام الحسن وتحميل رئيس الحكومة سياسيّاً المسؤولية عن «سفك دم» رئيس شعبة المعلومات، يقول القريبون من ميقاتي وزراءَ ونوّاباً وشخصيّات سياسية، في مجالسهم الخاصة والعامّة أنّه راغب في الاستقالة وأنّه «قرفان».
غير أنّ القريبين من ميقاتي يقولون في المقابل أيضاً إنّه "غير قادر على الاستقالة، أقلّه في الوقت الراهن".. وإنّه "بات سجيناً أو أسيراً لا يملك ناصية رحيل الحكومة فعليّا، على الرغم من أنّها حقّ من حقوقه الدستورية".
ويستفيض هؤلاء في حديثهم عن مدى "الظلم الذي تعرّض ويتعرّض له ميقاتي على أيدي الجميع، وتحديداً الفريق الذي كان ينتمي إليه سابقاً، أي فريق 14 آذار، خصوصاً لجهة الاتّهامات التي يلصقونها به، من أنّه اصبح دمية في يد حزب الله وأمينه العام السيّد حسن نصرالله، أو لجهة تسمية حكومته بأنّها حكومة حزب الله، وما شابه ذلك من نعوت وتوصيفات باتت متداولة كثيراً على ألسنة اللبنانيين، وتحديداً منذ ذلك التاريخ المشؤوم.
هل رغب ميقاتي أو أنّه لا يزال يرغب في الاستقالة مثلما يروّج أصدقاؤه؟
يجيب مراقبون بـ"لا" للأسباب الآتية:
أوّلاً، لأنّ ميقاتي متمسّك برئاسة الحكومة، على عكس ما يشيعه القريبون منه، فهو إن إستقال الآن لن يلقى مكاناً سياسيّاً لدى ايّ طرف من الاطراف، لا في 14 ولا في 8 آذار، خصوصاً أنّه يُعتبر "خائناً" لدى الطرف الاوّل، وسيحوذ على الصفة نفسها على الارجح لدى الطرف الثاني في حال إستقال بلا موافقته. والاستقالة في هذه الحال تجعله "لا مع ستّي بخير.. ولا مع سيدي بخير"، حسب التعبير الشائع. لذلك فهو لن يقدم.
ثانياً، لأنّ الوسطية التي يتغنّى بها رئيس الحكومة لن تعيد إنتاجه نائباً في طرابلس، خصوصاً أن لا مكان لها في عاصمة الشمال، أو على الأقل إنّ مكانها ضيّق جدّاً، وتحديداً في هذه الفترة التي تسبق الانتخابات النيابية المقبلة. فالوسطية قد تنجح عموماً بين طرفين متناقضين في ظلّ استقرار وأمن ورخاء وبحبوحة اقتصادية، وكلّها عوامل غير متوافرة حاليّا، لا على صعيد لبنان، ولا على صعيد طرابلس خصوصاً.
ثالثاً، لأنّ الاستقالة بالنسبة اليه وفي الظروف الحالية هي "قفزة في المجهول"، خصوصاً أنّ "خطّ التوافق الذي جاء به الى رئاسة الحكومة وقتذاك على رغم الاعتراضات عليه هو خطّ شبه مقطوع الآن، ولا يبدو أنّ إصلاحه ممكن في ظلّ الظروف المقبلة على المنطقة.
هل هذه الأسباب كافية للتأكيد أنّ ميقاتي يريد الاستقالة؟ أم أنّ هناك دوافع أخرى؟
هي كافية لميقاتي لتبرير عدم الاستقالة، ولكنّه في الوقت نفسه ايضاً هو لا يجرؤ على هذه الاستقالة استناداً إلى المعطيات الآتية:
1- لأنّ توقيت بقاء الحكومة أو رحيلها لا يقرّره هو، بل القوى التي سمّته رئيساً للحكومة، أي القوى المتمثلة بالنظام السوري وحزب الله، وهما لهما مصلحة في استمرار الحكومة حتى إشعار آخر ولأسباب متعدّدة أبرزها: أنّها لا تزال تحمي مصالحهما في الداخل اللبناني وتلبّي لهما حاجاتهما على الصعيد الخارجي عند الاقتضاء.
2- لأنّ الدور الذي أنيط بهذه الحكومة عند تشكيلها لم ينتهِ بعد، والأرجح انّه لن ينتهي إلّا مع توقيت حصول الانتخابات النيابية إذا ما قُدّر لها أن تحصل استناداً إلى ما قد يطرأ من تطوّرات إقليمية منتظرة، أو عندما يحين سقوط النظام السوري، وعليه، فإنّ الحاجة الى استمرار دورها لا يزال مطلوباً لدى القوى نفسها، بغضّ النظر عن اشتداد معارضيها.
ماذا يُستنتج من كلّ ذلك؟
يُستنتج في اختصار، وخلافاً لرأي القريبين من رئيس الحكومة، أنّ ميقاتي لا يريد الاستقالة… ولا يجرؤ عليها في آن معاً..!