#adsense

تكاليف العناية الصحية والاقتصاد الوطني

حجم الخط

 ان هذا التقييم يستند الى المجاميع ولا يغوص في التفاصيل التي يعالجها المعنيون من الاطباء ومديري المستشفيات وكبار الموظفين في وزارة الصحة والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي… إلخ.
بداية، الصورة تبدو مقبولة على مستوى معدلات الوفيات حين الولادة وحتى سن الخمس السنوات، كما ان متوسط توقع سنين الحياة تحسن وبات على مستوى يقارن بالمستويات السائدة في بلدان صناعية.

في المقابل، الأنفاق الكلي كنسبة من الدخل القومي وبحسب الأرقام الواردة في دراسات ميدانية ودولية يبدو مرتفعاً ويراوح بين 11,5 و12,5 في المئة، في حين لا ينفق أي من البلدان الصناعية هذه النسبة سوى الولايات المتحدة حيث النسبة تزيد على 13 في المئة، وفي فرنسا تبلغ النسبة 9,3 في المئة، أما في البلدان العربية والنامية فالنسبة أدنى بكثير. واستنادا الى احدث دراسة عن القطاع الصحي انجزها بنك لبنان والمهجر للاستثمار، تقدر تكاليف العناية الصحية بنسبة 9 – 10 في المئة من الدخل القومي. ولعل هذه النسبة هي الاقرب الى الحقيقة، خصوصا ان ارقام الدخل القومي حسب تقديرات البنك الدولي تقل عن الواقع نتيجة النشاطات الاقتصادية غير المدونة، كما ان تكاليف العنايات الصحية غير مجمعة بدقة نظرا الى تهرب كبار الاطباء من الإفصاح عن مداخيلهم، وانفاق ملحوظ على الجراحات التجميلية غالباً لا يسجل بكامله ونفقات من الميسورين اللبنانيين خارج لبنان.

الامر الذي يستوجب الملاحظة ان تقارب نسبة الانفاق على العناية الصحية في لبنان مع المستوى في بلدان اوروبا الغربية وكندا لا يؤدي الى توافر العناية الصحية على المستويات ذاتها التي تتأمن في اوروبا وكندا، ذلك ان المستويات في لبنان، ما عدا مستوى خدمات المستشفيات الخاصة ذات التصنيف الاعلى التي تفوق تكاليفها تكاليف المستشفيات الخاصة في بعض البلدان الاوروبية، هي ادنى بكثير مما يتوافر في الخارج.

الإنفاق على الصحة في لبنان تتحمل الدولة نسبة 35 في المئة من مجمله والقطاع الخاص يتحمل القسم الباقي، وتشمل هذه الارقام اشتراكات صندوق الضمان الاجتماعي التي يسددها ارباب العمل، وهنالك تفاوت ما بين مستويات المنافع التي تتوافر من صناديق الضمان أو التعاضد المختلفة. في تقديرنا ان النفقات الصحية تتجاوز الأرقام المدرجة رسمياً لأن هنالك مبالغ يدفعها للأطباء المرضى الميسورون تتجاوز المبالغ المعلن عنها أضعافاً مضاعفة، كما ان هنالك لبنانيين مقيمين يلجأون إلى زيارات طبية وعلاجية في الخارج ذات أكلاف مرتفعة، وعلى سبيل المثال أحد أبرز مراكز تخفيف الوزن في ألمانيا، تبلغ نسبة اللبنانيين الذين يقصدونه، وأحياناً تكراراً، 30 في المئة من مجموع عدد الزوار.

الاعتبار الأول في البحث في تكاليف العنايات الصحية والاقتصاد الوطني هو توافر المستويات الصحية الجيدة التي تكفل للمواطن القدرة على العمل باستمرار ونشاط، ومن ثم بعد التقاعد التمتع بالعناية الصحية التي ترتفع الحاجة إليها في مقابل إشتراكات وبرامج يشترك فيها خلال فترات عمله.

القطاع الصحي في لبنان يشكو من تحديات عدة لعل أهمها القدرة على الأستمرار في توفير العناية الصحية على مستويات مقبولة ومتطورة بحيث يحظى اللبناني بعناية تساهم في المحافظة على نشاطه وحياته.
وفي المؤكد ان ثمة فائضا في التجهيز بالمعدات المتطورة، فتجهيزات الـMRI و الـ SCANNERS مثلاً يفوق عددها بالنسبة الى السكان ما هو متوافر في انكلترا، ومعدات إجراء فحوص الأستكشاف الألكتروني باتت منتشرة بين المستشفيات الحديثة… إلخ. وأخيراً أدخل أحد المستشفيات المستحدثة على أسس استثمارية خدمات الجراحة بالروبوت.

على رغم توافر التجهيزات والمستشفيات والأسرّة والأطباء تشكو العناية الصحية من انعدام المساواة بين اللبنانيين من حيث حاجتهم الى العناية والتطبيب والاستشفاء، وتحقيق مقدار من التساوي في العناية والمعالجة يتوجب معالجة القضايا الآتية:

1 – الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يوفر الغطاء الصحي للمضمون وعائلته الى حين بلوغ سن التقاعد، وحينما يصير الموظف في عمر متقدم ولا يحظى بمعاش شهري تنقطع عنه وعن عائلته منافع الضمان الصحي.
اضافة الى ذلك، هنالك تبديد لموارد صندوق المرض والامومة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يبرز في تأمين الضمان الصحي لعائلات سائقي السيارات العمومية الذين يبلغ عددهم 35 الفاً والفارق بين اشتراكاتهم الضئيلة ومنافعهم 70 مليون دولار سنوياً.

2 – هنالك تفاوت في تأمين الموارد من صناديق الضمان أو التعاضد الأمر الذي يؤدي إلى تفاوت الخدمات بين مضمون وآخر، مثلاً مضمون في صندوق الضمان الأجتماعي ومضمون في صندوق تعاضد الجيش أو قوى الامن.

3 – هنالك فئات من المضمونين مميزة بمستويات منافعها ومراكز استشفائها وهي من موظفي شركات ومؤسسات تابعة للقطاع العام او خاضعة لسيطرة القطاع العام. ومن هؤلاء موظفو كازينو لبنان، وطيران الشرق الاوسط، ومصرف لبنان، وشركة انترا للاستثمار، وبنك التمويل، ومؤسسة ضمان الودائع، وميدكلير الخ.

4 – الأنفاق النقدي من اللبنانيين على تأمين العناية الصحية والأستشفائية مرتفع ويبلغ 60 في المئة من مجمل النفقات على العناية الصحية ويصيب الفقراء في المقام الأول.

5 – هنالك تفاوت كبير في القدرة على تأمين العناية الصحية للأفراد والعائلات تظهر بين معدلات الدخل الفردي والمناطق اللبنانية.

على رغم أن الدولة تغطي بشكل أو بآخر 35 في المئة من الأنفاق على العناية الصحية في لبنان، فان هذا الأنفاق لا يتماشى في غالبية الأحيان مع المستحقات. ولننظر إلى تأخير المدفوعات للمستشفيات ودور الدولة ينحصر تقريباً في الأنفاق وهنالك نسبة بسيطة من العناية الطبية والأستشفائية تؤمن في مؤسسات حكومية، آخرها وأهمها مستشفى رفيق الحريري الجامعي الذي عانى الى فترة قصيرة نضوب الأموال، ليس فقط للموظفين بل لصيانة الأدوات والمعدات الطبية المتقدمة. والمشكلة الاساسية في هذا المستشفى الجامعي مستمرة على رغم مساعي وزير الصحة اخيرا.

الصورة التي نشهدها تحتوي على مقدار من الأهمال غير مقبول، ومقدار من تبعثر الأنظمة والمنافع، يؤدي إلى التفاوت في المنفعة، ومقدار من عدم المسؤولية يترك نصف اللبنانيين من دون توافر العناية المطلوبة، ولهذه الأسباب تعددت مبادرات الجمعيات الدينية والخيرية والسياسية لتأمين خدمات صحية، طارئة أو شبه مستعصية، وبعض المبادرات أعطى صورة بهية عن تعاضد المجتمع، وبعضها الأخر أنجز لتوفير خدمات تناسب أهدافا سياسية.

6 – ان الادوية، التي يشكل الانفاق عليها نسبة 25 في المئة من الانفاق على العناية الصحية، مستوردة بنسبة 90 في المئة واللبناني بعيد عن الاقبال على الادوية الجنريك فهو يرغب في استخدام الادوية ذات الشهرة العالمية، وحتى على هذا الصعيد يواجه التلاعب بالتزوير في هذا النطاق.

ويمكن القول ان فواتير الدواء ملغومة في غالب الاحيان والدليل على ذلك مؤشران. اولاً اسعار بعض الادوية من الاصناف العالمية هي في لبنان اعلى بكثير مما هي في الاردن وسوريا مثلاً، ونقابة الصيادلة، علماً بان عدد الصيادلة اقل بكثير من عدد الاطباء، هي اغنى نقابة في لبنان، عبر اشتراكات المنتسبين وهذا دليل على توافر الارباح ولو على حساب صحة اللبنانيين.

7 – هنالك اقبال شديد على الاستشفاء والادوية واهمال كبير من السلطات العامة والافراد لضرورات الوقاية قبل مواجهة الامراض.

بالنسبة الى القطاع العام، من الواجب ضبط التلوث سواء من رداءة استعمال وقود توليد الكهرباء وعدم تجهيز المصانع بالفلتر، وهذا الامر يسري على مصانع الاسمنت، وعدم ضبط انبعاث التلوث من السيارات، وعدم توفير المياه النظيفة للمواطنين، وعدم توافر وسائل الصرف الصحي التي تساهم في تلويث مياه البحر، وندرة التيقن من صلاحية المواد الغذائية المستوردة والمنتجة محلياً الخ.

وتضاف الى كل ذلك نزعة اللبنانيين الى اهمال الاعتناء بصحتهم، سواء عن سبيل اتباع انظمة غذائية مغذية وعضوية من غير ان تساهم في السمنة، وممارسة الرياضة والامتناع عن التدخين الخ.

يبقى أن لبنان في حاجة الى اعتماد بطاقة صحية لكل مواطن، تبين ما يشكو منه، والمعالجة التي حظي بها، وتمكنه في الوقت ذاته من الشعور بالأطمئنان إلى أن المجتمع يحميه صحياً وقانونياً في الوقت ذاته، وهذا هدف يبدو بعيد المنال، خصوصا وان تحقيق هذا الهدف يستوجب تطوير برامج تعاون بين مختلف الهيئات التي توفر المنافع الصحية واعتمادها الاسس والمعاملات ذاتها كي لا تكون هنالك فروقات كبيرة في مستويات الخدمات، وتكاليفها وتوزع الكلفة على المواطنين.

المصدر:
النهار

خبر عاجل