كانت الشمس آخذة في الغياب، وعند الشير على حافة دير مار الياس في ضهور الشوير كان الحوار يدور هامساً وشفافاً بين البطريرك اغناطيوس الرابع هزيم وصديق دربه غسان تويني. على المقعد المقابل جلست الى جانب سيدنا المرحوم الياس نجم ورحنا نستمع الى كلام "يوحنا فم الذهب الارثوذكسي" كما أحببت دائماً ان اناديه يحاور استاذنا في "النهار" في جدلية "الله في الانسان والانسان في الله" وهو ما حاول بطريرك انطاكيا العظمى وسائر المشرق ان يجعله اقنوماً في عمله الروحي وارشاده ومسالكه.
الآن يغادرنا البطريرك هزيم، يبتعد كمحفة من الضوء ولا يبتعد، على الاقل لأن انواره باقية، أوليس هو الوافد اصلاً من قرية محردة ومعناها " حيث تشرق الشمس"؟ أوليس هو الذي حمل شعلة الاستقامة في الايمان والرأي والقول والعمل حيث حلّ زارعاً الحنطة الارثوذكسية في الشبيبة اولاً ثم على ضفاف انطاكيا واخيراً في دير البلمند الذي اراده منارة فصار جامعة منارات؟
لم يكن ايقونة الكنيسة الارثوذكسية المشرقية المستنيرة فحسب، كان ايقونة نادرة في امتزاجه الكلي بالايمان المطلق بأن الله مفاعل خير وبركة في كل انسان وان الفرق في النهاية يبرز في وعي كل منا لشعاع الله في كينونته، ومن خلال هذه الجدلية الرائعة حافظ دائماً على استنارته المفعمة بالبساطة مدعّمة بحرف " القاف"، أولم يولد السيد المسيح في المذود؟
لكنه يرتحل في الزمن الصعب وحين تعصف في المنطقة رياح عاتية توسع الفجوات او الوديان بين الناس، وعلى هذا الاساس ظل حتى اللحظة الاخيرة يطمئن الى مستقبل المسيحية المشرقية" لأن المسيحيين هم اصحاب الارض والحق وليسوا مجرد رعايا، وبالتالي لا يستطيع اي كان ان يدفعهم الى التهجير وان يبعدهم عن ارضهم والجذور كما عن كنائسهم التي عمرها من عمر المسيحية في هذا الشرق".
ولأنه كان يرى في المسيحية المشرقية هذا العمق الوجودي الاصيل، أراد دائماً للمسيحي ان يكون مثل "الميرون" يشعّ وئاماً وتفاهماً وتراحماً مع الآخر. وعلى هذه القاعدة الذهبية رفض في الثمانينات طلب الرئيس حافظ الاسد ان يتخذ موقفاً مستنكراً لـ"الاخوان المسلمين" الذين سحقهم النظام في حماه، وفي لقائه معه لم يتردد في القول: "كيف تريدون منا يا سيادة الرئيس ونحن المسيحيون النصرانيون الارثوذكس المشرقيون العروبيون ان نخلف عهد عمر سنة 636… ليس في وسعنا ان نقوم بذلك".
ماذا تغيّر الآن وسوريا في عهد الاسد الابن تطلب من المسيحيين المشرقيين الموقف اياه؟ لم يتغيّر شيء فسيدنا يرتحل على محفّة ارثوذكسية مضيئة لكن وصيته كما أنواره تبقى ساطعة في انطاكيا وسائر المشرق.