لعلّ أبرز ما يوحي به تزوير التسجيلات الهاتفية للنائب عقاب صقر، بهدف زجّ الرئيس سعد الحريري في عملية تسليح الثورة السورية، هو أنّ «حزب الله» رتّب هذه العملية كلها، وأراد أن يحدث التوازن، بين مشاركته الفعلية في دعم النظام السوري عسكرياً، وبين الدعم الحريري والـ«14 آذاري» للثورة السورية، إعلامياً وسياسياً، ومالياً.
وإذا كان صقر قد حيّد عملياً رأس الهرم في "حزب الله" عن الضلوع في تزوير هذه التسجيلات، فإن الحزب الذي لم يكن بعيداً منذ البداية عن إثارة هذا الملف، ويبدو من دون أقنعة، المسؤول عن ترتيب هذه التسجيلات وتوليفها ومنتجتها، كما هو المسؤول عن تكليف تلفزيون العماد ميشال عون ببثّها، لأنّ بثها عبر المنار لا يخدم "حزب الله" الذي يريد قطف عنب توريط الحريري، من دون التورط في قتل الناطور، إذا ما سبّبت هذه التسجيلات المزيد من إثارة الاحتقان المذهبي.
وإذا كان من الصعب عملياً استبعاد أن يكون السيد حسن نصر الله على غير معرفة بالتسجيلات، خصوصاً أن مسؤول لجنة التنسيق والارتباط في "حزب الله" الحاج وفيق صفا، عرض لهذه التسجيلات أمام المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي ورئيس فرع المعلومات العقيد عماد عثمان، لمفاوضة الحريري، لكي لا يقال إن ابتزازه سياسي، فإنّ "حزب الله" يكون هو من حصل على التسجيلات ومن أشرف على بثها، وهو قادر بالطبع على توظيف خبرته الأمنية للحصول عليها، تماماً كما كان قادراً على الحصول على تحقيقات لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
من هنا يمكن القول إنّ الحزب أراد شنّ الهجوم المضاد، ليغطي على اشتراكه في دعم النظام السوري عسكرياً، لكنه لم ينجح في إثبات اشتراك الحريري بدعم الثورة بالسلاح، وجاء المؤتمر الصحافي لصقر ليجهز على هذا الادّعاء، ويحوله الى نسخة شبيهة بما قام به الحزب في موضوع المحكمة الدولية عندما تورّط في أكثر من مرة، بوضع وقائع غير صحيحة في تصرف الرأي العام، ما لبثت أن بدت وكأنها من صنع مطبخ أمني، لا يتقن عمله.
يمكن وصف ما حصل بأنه آخر المحاولات التي يقوم بها "حزب الله"، في الملف السوري لتفادي الخسارة الاستراتيجية التي سيُمنى بها بعد سقوط النظام السوري، وهذه المحاولة قد تكون أفادت الحريري و"14 آذار" كثيراً، عبر إلصاق تهمة دعم الثورة السورية بهم، وهي تهمة مرشحة لأن تتحول في القريب العاجل إلى مكسب مهمّ، بعد انتصار الثورة، وما اجتماع الحريري بالائتلاف الوطني إلا صورة عن قدرة "14 آذار" على التعامل منذ الآن مع مرحلة ما بعد سقوط الرئيس بشار الأسد، كما عن المأزق الذي وضع "حزب الله" نفسه فيه، هذا المأزق الذي لا تخفف من وطأته تسجيلات مركبة، سيضاعف من الهوة التي باتت تفصل بين الحزب ومن سيحكمون سوريا في المستقبل.
لعلّ من المفيد في هذا التوقيت أن تستفيد قوى "14 آذار" من تسرّع "حزب الله"، وتلهّفه لإثبات تورّطها في الملف السوري، بتأكيد هذا التورط السياسي، الذي بدأ خجولاً منذ اللحظات الأولى لاندلاع الثورة، واستمر على شكل تنسيق مع المجلس الوطني، والذي من المرجح أن يتوّج بلقاء على أعلى مستوى في القاهرة مع الائتلاف الوطني السوري، بغية وضع أسُس لعلاقة لبنانية – سورية جديدة، تكون على قياس ما انتجته الثورة السورية طوال العام ونصف العام الماضيين.
ولقاء كالذي يحضّر له في القاهرة، سيكون في سياق الاستعداد للتعامل مع سوريا جديدة، لا مكان فيها لتحالف الممانعة، ومع لبنان محرر من نظام طالما شكل عامل تفجير لاستقراره. عندها سيكون على حلفاء النظام السوري، وأوّلهم "حزب الله"، أن يرموا جانباً عدة الشغل العتيقة، التي شاهد الرأي العام نموذجاً من عملها، في قضية التسجيلات المركبة.