جاء في الحديث في زمزم: انها هزمة جبريل عليه السلام، اي ضرب برجله فانخفض المكان فنبع الماء، وقيل معناه هزم الارض اي كسر وجهها عن عينها حتى فاضت بالماء الرواء. (لسان العرب لابن منظور)
كأنما غبطة البطريرك هزيم كان يرتوي من بئر زمزم، ويغسل وجهه الصبوح بما انطوى عليه ماؤها من معنى، ويترسم خطى سيدنا جبريل عندما هزم تلال البلمند، فكسر وجهها عن عينيها، ففاضت ماء رواء، ينهل منها الابناء، وتلتحف منها السهوب بأخضر الرداء.
اول مرة وقعت عيناي عليه كانت في حزيران عام 1957، عندما استضافنا في "سيدة البشارة" اثناء تقديمنا للامتحانات الشفهية، فنمنا في مضافته واكلنا على خوائه، واستمعنا الى صوته الوقور، والى حواره اللطيف مع راعينا في ذلك الوقت مثلث الرحمات المطران بولس بندلي، واستمتعنا بلهجة اهل ريف حماة المحببة، وعمق حرف القاف الصادر من حلقه كأنها العروبة منبجسة من نبعها الاصيل، فالضاد من فمه سبيكة من الذهب الخالص لم يداخلها غش ولم تُشبْها عُجْمة.
ان ربي البلمند المستفحلة في جيولوجيا الكورة، ترنو بنواظرها الى المدى كله، تستدرج الابناء الى ربوع الراعي الصالح، الذي هزم سطح الارض عن عينها لترعى وعيهم وخفقات قلوبهم، وعلمهم، وترسم لهم مستقبله، بالوان الزبد الابيض… والكحلي الوقور، والازرق المتسامح، وبأخضر العشب المحيط بزهر اللوز كإحاطة الحضن بالوليد، وبقداسة الزيتون الذي يرشح خيرا وزلفى الى الله…
منذ اشهر، تكرم علي سماحة الشيخ الدكتور مالك الشعار، مفتي طرابلس والشمال، واصطحبني معه لزيارة غبطته في البلمند، وعندما عرفه عن مهنتي كمحام بادرني بلهجة محببة "ولكن المودة مفقودة بيننا وبين المحامين"، ثم أردف ممازحا: "انا اقصد محامي الشام". فقلت له: "يا سيدنا ان لم آت بصحبة صاحب السماحة كمحام، وانما "لاسترجع ذكريات الولد الذي استضفته في سيدة البشارة، ويرى ماذا "فعل الزمان بذلك الكاهن الشاب وقد اصبح عظيم الاحبار".
في اثناء تناول الطعام، وقد بدأنا بالحلوى، قال: "أنا اعرف ما هو "شراب الجنة، انما لست اعلم ما هو الطعام هناك، ولكنني لا اتصور "الجنة بلا حلوى، وهذا يعني ان آل الحلاب لا بد داخلون اليها"، فمازحته قائلا، بعد ان اشرت بيدي الى نفسي: ولكن آل الحلاب لا يذهبون دون محاميهم وقد كنت في قولي هذا اسعى للتقرب من روحه اللطيفة، ثم استأذنته بالتطفل على ما هو من صلب اختصاصه… ومن خارج اختصاصي، فأضفت، "يا سيدنا انني على يقين أنك عبدت في هذا الصرح العظيم طريقا إلى الجنة، وفتحتها للأجيال، وهذا العمل هو خير صلاة وخير ابتهال، وانك قدمت لابناء طرابلس ملاذا للعمل، قصر عنه كثير من ابنائها…".
وكيف لي ان أغفل، تلك المحاورة الراقية التي دارت بينه وبين سماحة المفتي، وكيف كان يؤكد اعتزازه، بصداقته، وبدوره الوطني الجامع، حتى اشكل الامر علي اذ تخيلت لشدة تداخل الكلام وانسجامه ان تداخلا سيحدث بين الجبتين.
غاب غبطته عنا كغائبة الشمسين، فقدته المدينة التي تذكر فضله عليها، والتي تعاني هذه الايام اشد المحن بفقدانها شبابها في دورات العنف المزمنة، وتهتك ذروتها الاقتصادية، وتفتقد ايضا الدور الكبير الذي ندب سماحة المفتي نفسه له في جمع الاضداد وتغليب صوت العقل والوطنية، حيث يتعرض الآن لعملية ابعاد قسرية مجرمة، تؤكد قول الاخ توفيق سلطان: "ان الذي يعد لاضرام الحريق، يبدأ اولا بتعطيل مضخات الاطفاء".